إسرائيل على حافة التحوّل: الاستقطاب العمودي، الصهيونية الدينية إسرائيل على حافة التحوّل
بقلم: محمد دراوشه
تشهد إسرائيل في السنوات الأخيرة تحوّلاً عميقاً في طبيعة الصراع داخلها. لم يعد الخلاف مجرد تنافس سياسي بين يمين ويسار، ولا مجرد توتر قومي بين يهود وعرب. ما يجري اليوم هو بناء هرم اجتماعي جديد، هرم مائل، تُرفع فيه مجموعة إلى القمة باعتبارها “المالك الشرعي” للدولة، بينما تُدفع مجموعات أخرى إلى أسفل السلم، وتُعامل كمواطنين ناقصي الشرعية أو ناقصي القيمة. هذا هو الاستقطاب العمودي، وهو أخطر أشكال الانقسام، لأنه لا يكتفي بتقسيم المجتمع، بل يعيد تعريف المواطنة نفسها.
المواطنون العرب يقفون في قلب هذا المشهد. فمنذ قيام الدولة، يعيش العرب في ظل تمييز مؤسسي واضح في الميزانيات، والبنى التحتية، والتخطيط، والتعليم. قوانين مثل قانون القومية لم تكتفِ بتثبيت هذا الواقع، بل أعادت صياغته بنصّ قانوني يضع العرب في مرتبة أدنى. الخطاب السياسي والإعلامي السائد يعمّق هذا التهميش، ويُصوّر العرب كتهديد دائم، لا كشركاء في الوطن. هذا ليس خلافاً سياسياً، بل هندسة اجتماعية تُبقي مجموعة كاملة في أسفل الهرم.
لكن الأخطر أن هذا الاستقطاب لم يعد مقتصراً على العرب. داخل المجتمع اليهودي نفسه، تتسع الفجوة بين معسكرات سياسية تُنزع الشرعية عن بعضها البعض. خطاب “نحن الشعب الحقيقي” يقابله خطاب “أنتم خونة”، ومعه يتحوّل الخلاف السياسي إلى صراع وجودي. ومع صعود التيار الديني–القومي، المعروف بالصهيونية الدينية، يتعزّز هذا الاتجاه أكثر. هذا التيار لا يكتفي بطرح رؤية سياسية، بل يقدّم تصوراً لملكية دينية–قومية للدولة، ويمنح نفسه حقاً حصرياً في تعريف الهوية الوطنية، وفي تقرير من ينتمي ومن يُقصى. ومع تزايد نفوذه في الحكومة والجيش ومؤسسات الدولة، يتحوّل الاستعلاء الديني–القومي إلى قوة تشريعية وتنفيذية تُعيد تشكيل المجال العام.
الحرب الجارية على الشعب الفلسطيني في غزة، والتصعيد المستمر في الضفة الغربية، يضيفان طبقة جديدة من الخطورة. فالحروب لا تُنتج فقط دماراً مادياً، بل تُنتج أيضاً بيئة خصبة لتصاعد العنصرية، وتبرير الإقصاء، وتوسيع الفجوات بين المجموعات. في ظل الحرب، يصبح التحريض أسهل، ويصبح التشكيك في ولاء المواطنين العرب أكثر قبولاً، ويصبح خطاب “العدو الداخلي” جزءاً من النقاش العام. الاحتلال الطويل، الذي تجاوز خمسة عقود، خلق واقعاً تتداخل فيه القوة العسكرية مع الهوية القومية، ومعها تتزايد النزعة إلى رؤية الفلسطيني — سواء في غزة أو الضفة أو داخل إسرائيل — كتهديد وجودي، لا كإنسان له حقوق.
هذا المسار ليس جديداً على العالم. الهند، أكبر ديمقراطية في العالم، كانت مثالاً يُحتذى به في التعددية. لكن خلال العقد الأخير، صعد خطاب قومي هندوسي أعاد تعريف المواطنة على أساس ديني، وجرّد الأقليات من مكانتها. القضاء تراجع استقلاله، والإعلام ضُيّق عليه، والمجتمع المدني أُضعف. النتيجة كانت ديمقراطية انتخابية، لكنها أقل مساواة، أقل انفتاحاً، وأكثر انقساماً. ما يحدث في إسرائيل اليوم يشبه هذا المسار: خطاب قومي–ديني يضع مجموعة في مركز الهوية الوطنية، ويُهمّش الآخرين.
الأرجنتين تقدّم مثالاً آخر، مختلفاً لكنه لا يقلّ تحذيراً. هناك، لم يكن الانهيار نتيجة الاقتصاد وحده، بل نتيجة الاستقطاب العمودي بين النخب والشعب، وبين التيارات السياسية المتصارعة. فقدان الثقة بالمؤسسات فتح الباب أمام الشعبوية، والشعبوية فتحت الباب أمام تآكل المؤسسات. عندما ينهار العقد الاجتماعي، تنهار معه قدرة الدولة على إدارة نفسها. إسرائيل اليوم تشهد تراجعاً مقلقاً في الثقة بالمؤسسات، وهجمات متكررة على القضاء، وتحريضاً على الإعلام والمجتمع المدني، وتطبيعاً للعنف السياسي. هذه ليست إشارات عابرة، بل علامات مبكرة لمسار تعرفه دول كثيرة.
الديمقراطية لا تسقط فجأة. إنها تتآكل ببطء، عندما يعتاد الناس على الظلم، ويصمتون أمام التمييز، ويقبلون بأن يكون بعض المواطنين “أكثر مواطنة” من غيرهم. تتآكل عندما تُستخدم القوانين لتثبيت هيمنة مجموعة واحدة، وعندما يتحوّل القضاء إلى ساحة صراع سياسي، وعندما يصبح الإعلام هدفاً للشيطنة، وعندما يُعامل جزء من المجتمع كضيف غير مرغوب فيه. ومع صعود الصهيونية الدينية، واستمرار الاحتلال، وتفاقم الحرب، يصبح هذا التآكل أسرع وأكثر عمقاً.
إسرائيل اليوم تقف أمام مفترق طرق. يمكنها أن تستمر في بناء هرم مائل، يضع العرب في الأسفل ويقسّم اليهود إلى معسكرات متصارعة، لكنها بذلك تقترب من مصير الهند والأرجنتين: ديمقراطية شكلية، بلا مساواة، بلا ثقة، وبلا استقرار. ويمكنها أن تختار طريقاً آخر، طريق الشراكة والمساواة، طريق الاعتراف الكامل بالمواطنين العرب، وحماية استقلال القضاء، ووقف خطاب نزع الشرعية، وإعادة بناء الثقة بين المجموعات، وفهم أن الاحتلال والحرب لا يمكن أن يكونا أساساً لديمقراطية سليمة.
الديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط. هي منظومة قيم، وثقافة سياسية، وشعور بأن الوطن يتسع للجميع. وإذا لم تُدرك إسرائيل ذلك اليوم، فقد تجد نفسها غداً أمام واقع لا يمكن إصلاحه.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency