الرواية الجاهزة… العربي متّهم قبل أن يُعرف ما حدث

محمد دراوشه. 
نُشر: 01/07/26 13:31

الرواية الجاهزة… العربي متّهم قبل أن يُعرف ما حدث

بقلم:  محمد دراوشه. 

يتكرّر المشهد ذاته في كل مرة يُقتل فيها مواطن عربي برصاص الشرطة: بيان سريع، جاهز، يكاد يكون نسخة طبق الأصل عن بيانات سابقة، يعلن أن الحادثة وقعت على “خلفية قومية”، أو أن المشتبه “حاول تنفيذ عملية”، أو أن الشرطي “شعر بخطر داهم”. هذه الصياغات ليست مجرد كلمات عابرة، بل جزء من الخطاب الأمني الذي يُستخدم لتبرير العنف الموجّه ضد العرب داخل البلاد، وتحويل الضحية إلى متّهم، والمقتول إلى “خطر محتمل”، والرصاصة إلى “ضرورة ميدانية”.

حادثة مقتل الشاب سامي جعصوص في اللد مثال صارخ على هذا النمط. فقبل أن تتضح الملابسات، وقبل أن تُجمع الأدلة، سارعت الشرطة إلى الإيحاء بأن الطعن وقع على خلفية قومية، رغم أن معظم الدلائل تشير إلى وجود معرفة سابقة بين الطرفين، ما يعني أن الحادثة أقرب إلى خلاف شخصي أو جنائي. ومع ذلك، تُصرّ المؤسسة الشرطية على دفع الرواية القومية إلى الواجهة، وكأنها الخيار الافتراضي الذي يُستخدم كلما كان القتيل عربيًا. هذا التسرّع في إطلاق توصيفات قومية ليس مجرد خطأ مهني، بل انعكاس لبنية كاملة من العنصرية البنيوية التي ترى العربي باعتباره تهديدًا محتملًا، لا مواطنًا كامل الحقوق.

هذه البنية تُنتج خطابًا يبرّر العنف قبل وقوعه، ويُعفي الشرطي من المساءلة بعد وقوعه. فحين يُقتل عربي، يصبح السؤال: “لماذا كان هناك خطر؟” وليس: “لماذا أُطلقت النار؟”. وتتحوّل الضحية إلى ملف أمني، وتُمحى إنسانيته، وتُستبدل بسردية جاهزة تُريح المؤسسة وتُقنع الجمهور. وهكذا، يصبح العربي في المخيال العام “مشتبهًا دائمًا”، وتصبح أي حادثة – مهما كانت خلفيتها – قابلة لأن تُقرأ كعمل “على خلفية قومية”. هذا التوجّه يُعمّق شيطنة العرب ويُحوّلهم إلى كتلة متجانسة من الخطر، لا أفرادًا لهم ظروفهم وقصصهم وتعقيداتهم الإنسانية.

الإعلام العبري، في معظم الحالات، يتبنّى الرواية الشرطية دون تمحيص، فيعيد إنتاجها ويُضفي عليها شرعية. وهكذا، تتكرّس صورة العربي كخطر، وتُصبح الرواية الأمنية أكثر قبولًا وتصديقًا، خاصة في مجتمع يعيش ضمن إطار أمني دائم، حيث تُقدّم المؤسسة الأمنية نفسها باعتبارها الحاجز الأخير بين “النظام” و”الفوضى”. هذا المناخ يجعل أي رواية أمنية – مهما كانت هشّة – قابلة للانتشار، ويجعل التشكيك فيها يبدو وكأنه تشكيك في “أمن الدولة”.

النتيجة هي مجتمع غير متساوٍ أمام القانون. فحين يُقتل عربي، يُعامل الحدث كملف أمني. وحين يُقتل يهودي، يُعامل كملف جنائي. هذا التمييز ليس مجرد اختلاف في اللغة، بل اختلاف في الحقوق، وفي قيمة الحياة، وفي طريقة تعامل الدولة مع مواطنيها. فالعربي يُقتل مرتين: مرة بالرصاص، ومرة بالرواية التي تُلصق به بعد موته. هذا الخطاب يُعمّق الشرخ بين المواطنين العرب والمؤسسة الشرطية، ويُفقد العرب الثقة بجهاز يُفترض أن يحميهم. كما يُغذّي مشاعر الغضب والإحباط، ويُكرّس شعورًا بأن حياة العربي أقل قيمة، وأن دمه أقل وزنًا في ميزان العدالة.

ولا يمكن فصل هذا الخطاب عن السياق السياسي الأوسع، حيث تُستخدم الرواية الأمنية لتثبيت هيمنة الدولة على المواطنين العرب، ولتعزيز سردية تعتبرهم “جسمًا غريبًا” أو “خطرًا داخليًا”. هذا الاستخدام السياسي للأمن يجعل من كل احتكاك بين عربي ويهودي حدثًا قابلًا للتأويل القومي، ويجعل من كل خلاف بسيط مادة جاهزة للتصعيد. وفي ظل غياب المحاسبة، يصبح الشرطي مطمئنًا إلى أن أي إطلاق نار يمكن تبريره لاحقًا عبر عبارة “خلفية قومية”، ما يجعل قرار الضغط على الزناد أسهل، وأقل تكلفة مؤسسية.

إن مواجهة هذا الخطاب تتطلب تغييرًا جذريًا في طريقة تعامل الشرطة والإعلام مع المواطنين العرب. المطلوب تحقيقات مستقلة في كل حادثة إطلاق نار، ووقف استخدام الروايات القومية دون أدلة، ومعالجة التحيّزات العنصرية، وإعلام مهني لا يكتفي بنقل الرواية الرسمية. فبناء مجتمع عادل يبدأ من الاعتراف بأن حياة كل إنسان – عربيًا كان أو يهوديًا – لها قيمة متساوية، وأن العدالة لا تُبنى على روايات جاهزة، بل على حقائق وتحقيقات ومحاسبة.

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة