"اتفاق مكة".. تحالف يجمع المال والقوة والنووي ويعيد رسم خريطة المنطقة

كل العرب
نُشر: 15/08/26 15:15

أثار "اتفاق مكة" الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان، الأسبوع الماضي، اهتمامًا واسعًا في الأوساط السياسية والأمنية، باعتباره خطوة نحو تشكيل تحالف إقليمي جديد يجمع بين القوة الاقتصادية والسياسية السعودية، والقدرات العسكرية التركية، والقدرات النووية الباكستانية.

ويهدف الاتفاق، الذي يتضمن التزامًا بالدفاع المشترك بين الدول الثلاث، إلى تعزيز التعاون بينها في مواجهة التحديات الأمنية، فيما يرى خبراء أن من المبكر اعتباره تحالفًا عسكريًا متكاملًا أو "ناتو إسلاميًا"، رغم أنه قد يشكل نواة لمحور سني جديد في المنطقة.

وقال الباحث في الشأن الإيراني والمحاضر في جامعة ييل، الدكتور آرش عزيزي، إن "إيران خسرت"، معتبرًا أن التكتل الإسلامي الجديد بقيادة السعودية وباكستان وتركيا، إلى جانب دول أخرى قد تنضم إليه، يسير في اتجاه يتناقض بشكل واضح مع النموذج الذي تبنته إيران خلال السنوات الماضية.

وأضاف عزيزي أن ما يجري يمثل بداية تشكل محور سني جديد في مواجهة المحور الشيعي الذي عملت إيران على بنائه لسنوات، من خلال حلفائها ووكلائها في المنطقة.

محور جديد في مواجهة النفوذ الإيراني

على مدى سنوات، عملت إيران على بناء ما يعرف بـ"محور المقاومة"، الذي يضم حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، وميليشيات شيعية موالية لها في العراق. ومكّن هذا المحور طهران من توسيع نفوذها خارج حدودها، واستخدام حلفائها للضغط على خصومها وردعهم، والتأثير في التطورات السياسية والأمنية في المنطقة.

لكن التطورات الأخيرة تشير، بحسب عدد من الخبراء، إلى ظهور قوة إقليمية أخرى تسعى إلى موازنة النفوذ الإيراني.

فالسعودية تمتلك ثقلًا اقتصاديًا وسياسيًا كبيرًا، بينما تتمتع تركيا بواحد من أقوى الجيوش في المنطقة، إضافة إلى تطور صناعتها الدفاعية، في حين تمتلك باكستان جيشًا كبيرًا وقدرات نووية.

وترى الباحثة البارزة في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، الدكتورة غاليا ليندنشتراوس، أن الاتفاق يمثل "تطورًا مهمًا لا ينبغي التقليل من شأنه"، لكنها حذرت في الوقت نفسه من المبالغة في تقدير قدرات التحالف الجديد.

وقالت ليندنشتراوس إن الاتفاق "ليس ناتو إسلاميًا ولا يقترب من ذلك"، محذرة من التعامل معه باعتباره تحالفًا هجوميًا يمكن أن يقود، في المدى القريب، إلى دخول السعودية وتركيا وباكستان في حرب مشتركة.

وأضافت أن من الصعب تصور تنفيذ بند الدفاع المشترك بصورة تلقائية في حال تعرض إحدى الدول الثلاث لهجوم، إلا أن مجرد وصول الدول إلى مرحلة توقيع اتفاق من هذا النوع يمثل تطورًا مهمًا.

رسالة إلى إيران.. ورسالة إلى إسرائيل

وترى ليندنشتراوس أن الاتفاق يحمل، في المقام الأول، رسالة إلى إيران، مفادها أن القوى الإقليمية لن تسمح لطهران بالتحرك بحرية في المنطقة دون مواجهة.

وقالت إن الدول الثلاث تقول لإيران من خلال الاتفاق: "لن تستطيعي أن تفعلي ما تشائين هنا، فهناك قوى تستطيع ردعك".

لكنها شددت في الوقت نفسه على أن الاتفاق يحمل أيضًا رسالة إلى إسرائيل، معتبرة أن ذلك يمثل تطورًا ينبغي على إسرائيل أخذه في الاعتبار، حتى لو ظل التحالف في الوقت الحالي إطارًا سياسيًا أكثر منه تحالفًا عسكريًا متكاملًا.

وأضافت أن المواقف التي قد تصدر عن هذا المحور يمكن أن تكون معادية لإسرائيل، مشيرة إلى أن تغيير إسرائيل لسياستها والسعي إلى مسار سياسي مع الفلسطينيين قد يخفف بعض المخاوف ويحد من قوة هذا المحور.

شكوك بشأن القدرة العسكرية للتحالف

ولا تقتصر الشكوك حول الاتفاق على الجانب الإسرائيلي، إذ توجد أيضًا داخل السعودية نفسها تقديرات تقلل من إمكانية تحوله سريعًا إلى تحالف عسكري فعلي.

وقال الصحفي والمحلل السعودي عبد العزيز الخميس إن التحالف "هش وغير عملي"، معتبرًا أنه أقرب إلى تحالف سياسي وإعلامي منه إلى تحالف عسكري دفاعي حقيقي.

وأشار الخميس إلى أن السعودية كانت تملك اتفاقًا دفاعيًا مع باكستان قبل الحرب، لكن عندما تعرضت السعودية لهجوم، لم تقدم باكستان، بحسب قوله، المساعدة العسكرية التي كان يمكن توقعها بموجب ذلك الاتفاق.

ومع ذلك، يرى الخميس أن توقيت الاتفاق يشير بوضوح إلى أن إيران هي المستهدفة بالرسالة الأساسية.

وقال إن الاتفاق يهدف إلى إيصال رسالة إلى طهران مفادها أن عليها وقف تحركاتها ضد السعودية، لكنه اعتبر أن الاتفاق في هذه المرحلة يمثل "ضغطًا سياسيًا أكثر من كونه عملًا فعليًا".

جبهة دبلوماسية في مواجهة طهران

ويتفق عدد من الخبراء على أن إيران هي المستهدف الرئيسي من الاتفاق، حتى مع استمرار الشكوك بشأن إمكانية تفعيل بند الدفاع المشترك بصورة عسكرية مباشرة.

ويرى عزيزي أن تجمع السعودية وتركيا وباكستان يهدف إلى وضع حدود للطموحات الإيرانية، موضحًا أن الرياض تريد أن توضح لطهران أنها لن تقبل التعرض للهجمات دون رد.

وبحسب عزيزي، فإن العلاقات الوثيقة بين السعودية وتركيا وباكستان يمكن أن توفر للرياض دعمًا سياسيًا وأمنيًا عندما تواجه محاولات إيران تغيير النظام الإقليمي القائم.

لكنه يستبعد أن يعني الاتفاق دخول الدول الثلاث مباشرة في أي حرب مستقبلية إلى جانب الدولة التي تتعرض للهجوم.

وقال إن التعاون بين الدول الثلاث قد يكون كبيرًا، ومن المحتمل أن يتم تفعيل الاتفاق عند الضرورة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة دخولها الحرب بشكل مباشر، بل قد تتجه إلى تنسيق أمني وسياسي واسع وتشكيل "جبهة دبلوماسية" في مواجهة إيران.

وأشار إلى أن أهمية الاتفاق قد تظهر بصورة أكبر في حال استخدمت إيران حلفاءها ووكلاءها في المنطقة لتنفيذ هجمات على السعودية.

وفي حال هاجم الحوثيون في اليمن أو الميليشيات الموالية لإيران في العراق السعودية، يرى عزيزي أن هذه الجماعات قد تواجه من الآن فصاعدًا تنسيقًا بين الدول الثلاث.

وأضاف أن مواجهة الوكلاء الإيرانيين ستكون أسهل بالنسبة إلى أعضاء التحالف من الدخول في مواجهة مباشرة مع إيران نفسها.

رأي آخر: التحالف يستهدف إسرائيل

لكن ليس جميع المحللين يتفقون على أن إيران هي الهدف الأساسي للاتفاق.

فالكاتب والمحلل المصري المقيم في السويد، محمد سعد خيرالله، يقدم قراءة مختلفة تمامًا، إذ يرى أن الاتفاق موجّه أساسًا ضد إسرائيل وليس ضد إيران.

وقال خيرالله إن الاتفاق "ليس موجّهًا ضد إيران، بل ضد إسرائيل"، معتبرًا أن الحديث عن كونه اتفاقًا دفاعيًا قد يكون مجرد غطاء يخفي الهدف الحقيقي للتحالف.

واستند خيرالله إلى المواقف والتصريحات الصادرة عن السعودية وباكستان وتركيا خلال الفترة الأخيرة، معتبرًا أن الخطاب المعادي لإسرائيل في الدول الثلاث يجب أن يؤخذ في الاعتبار عند تحليل أهداف الاتفاق.

وقال: "أريد من كل من يتابع هذا الموضوع أن ينظر إلى المواقف والتصريحات السعودية والباكستانية والتركية خلال الفترة الأخيرة، وإلى الخطاب المعادي لإسرائيل. بالنسبة لي، الأمر واضح جدًا: هذه برية موجهة ضد دولة إسرائيل".

ويرى خيرالله أن على إسرائيل التعامل مع التحالف باعتباره تحديًا استراتيجيًا، محذرًا من أن تجاهله قد يؤدي إلى مشكلة كبيرة بالنسبة إليها.

وأضاف أن إسرائيل "يجب أن تتوخى الحذر الشديد" في التعامل مع التطورات المرتبطة بالتحالف الجديد، وأن تنظر إليه من منظور التحديات الاستراتيجية التي يمكن أن يفرضها مستقبلًا.

تحالف يجمع ثلاث نقاط قوة

وبغض النظر عن الجهة التي يستهدفها الاتفاق بصورة أساسية، فإن جمع السعودية وتركيا وباكستان يمنح التحالف المقترح عناصر قوة متعددة.

فالسعودية توفر القوة الاقتصادية والنفوذ السياسي، وتركيا تمتلك قدرات عسكرية كبيرة وصناعة دفاعية متطورة ومتنامية، بينما تمتلك باكستان جيشًا كبيرًا وقدرات نووية.

وتختلف مصالح الدول الثلاث في العديد من الملفات، إلا أن تعاونها يمكن أن يؤدي إلى ظهور مركز قوة جديد في الشرق الأوسط، يأخذ في الاعتبار مصالح كل من طهران وإسرائيل.

ويرى عزيزي أن التحالف الجديد لا يعني بالضرورة أن الدول الثلاث ستدخل في حرب مشتركة عند تعرض إحدى دوله لهجوم، لكنه قد يؤدي إلى مستويات غير مسبوقة من التنسيق الأمني والسياسي.

في المقابل، يحذر منتقدو الاتفاق من أن اختلاف المصالح بين الدول الثلاث قد يجعل من الصعب تحويل الاتفاق إلى تحالف عسكري متماسك، وأن الاختبار الحقيقي سيكون عند وقوع أزمة أمنية فعلية تتطلب من الأطراف اتخاذ خطوات عملية، وليس الاكتفاء بالتصريحات السياسية.

ويبقى السؤال الأساسي هو ما إذا كان "اتفاق مكة" سيؤدي بالفعل إلى تشكيل محور سني قادر على موازنة النفوذ الإيراني، أم أن قوته ستبقى في إطار سياسي ورمزي.

فإذا تعرضت السعودية أو تركيا أو باكستان لهجوم إيراني مباشر، أو لهجوم من جماعات مرتبطة بطهران، سيكون من الممكن عندها اختبار مدى استعداد الدول الثلاث لتفعيل التزاماتها.

وبذلك، فإن الاتفاق يمثل في الوقت الحالي خطوة سياسية وأمنية مهمة، لكنه لا يزال بحاجة إلى اختبار عملي يحدد ما إذا كان سيصبح تحالفًا إقليميًا مؤثرًا وقادرًا على تغيير ميزان القوى في الشرق الأوسط، أم سيبقى اتفاقًا سياسيًا يعكس طموحًا مشتركًا أكثر مما يعكس قدرة عسكرية مشتركة.

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة

توقعات الطقس للمدن
آخر تعديل: السبت 15 / أغسطس 18:02
جاري التحميل...
المدينة البلد درجة °c الوصف الشعور كأنه (°C) الأدنى / الأقصى الرطوبة (%) الرياح (كم/س) الشروق الغروب