الميراث الإلهي- الأرض لله والوعد لجميع أبناء إبراهيم

محمّد شريف عودة
نُشر: 16/03/26 09:19

كاتب المقال: أمير الجماعة الإسلامية الأحمدية في الديار المقدسة- محمد شريف عودة

في العشرين من فبراير 2026، وخلال مقابلة لسفير الولايات المتحدة في إسرائيل مايك هاكابي مع تاكر كارلسون ، أطلقت تصريحات بشأن "الأرض الموعودة" تحمل تداعيات خطيرة على استقرار منطقتنا. لقد أشار السفير هاكابي إلى أنه "لا خطأ" في توسع إسرائيل لتشمل كامل الأراضي المذكورة في التوراة – وهو تفسير يبدو أنه يمتد ليشمل أجزاءً من العراق وسوريا والأردن ومصر وفلسطين. وبينما رد الكثيرون بإدانات سياسية، أرى من الواجب تفنيد هذه الادعاءات من خلال النصوص المقدسة ذاتها التي استُشهد بها.

إن استخدام النص الديني كمسوغ للتوسع الإقليمي الحديث هو نوع من التفسير التعسفي. وبصفتي رئيساً للجماعة الإسلامية الأحمدية في الديار المقدسة، أؤكد أن القراءة المسؤولة والدقيقة للكتب المقدسة تفرض التزاماً بالعدل، لا تبريراً للعدوان.

شمولية الوعد لـ"النسل" (زيرع)

من الضروري توخي الدقة عند الاستشهاد بالنص التوراتي. تقول الآية: "لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ" (تكوين 15: 18). وتقول أيضاً "لأَنَّ جَمِيعَ الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ تَرَى لَكَ أُعْطِيهَا وَلِنَسْلِكَ إِلَى الأَبَدِ  (تكوين 13: 15)

إن كلمة "النسل" (زيرع) تشمل جميع ذرية إبراهيم. ووفقاً للتقاليد الكتابية نفسها، فإن إسماعيل هو ابن إبراهيم البكر، وقد نال هو الآخر بركة ووعداً إلهياً عظيماً. وفي الواقع، فإن أحفاد إسماعيل (العرب) قد عاشوا لأجيال متعاقبة في هذه الأرض الشاسعة الممتدة بين النيل والفرات. إن وجودهم المستمر في هذه الأرض هو دليل على أن الوعد الإلهي قد تحقق بالفعل وما زال يتحقق. هذا الوعد ليس حكراً على جماعة دون غيرها، بل هو وعد شامل لنسل إبراهيم ككل. ويجب أن نتعلم من هذا الوعد الإلهي أهمية التعايش بين أبناء إبراهيم بالمحبة والسلام والأمان، بدلاً من التحريض على العداوة وإشعال نار الفتنة.

الشرط الإلهي: العدل والتقوى

ليس من شأن البشر "الاستيلاء على الأرض كلها" بناءً على آية واحدة أُسيء تفسيرها مع تجاهل بقية النصوص المقدسة. كما أن هذا ليس بمشيئة رب العالمين، الذي أمر في المزامير "حِدْ عَنِ الشَّرِّ وَافْعَلِ الْخَيْرَ"  وقال أيضاً:

"لأَنَّ الرَّبَّ يُحِبُّ الْحَقَّ وَلاَ يَتْرُكُ أَتْقِيَاءَهُ. إِلَى الأَبَدِ يُحَفَظُونَ. أَمَّا نَسْلُ الأَشْرَارِ فَيَنْقَطِعُ. الصِّدِّيقُونَ يَرِثُونَ الأَرْضَ وَيَسْكُنُونَهَا إِلَى الأَبَدِ" (مزامير 37: 27-29)

إن الحق في الأرض مشروط حصرياً بممارسة العدل وتقوى الله؛ فهكذا يورث الله الأرض للصالحين. إن الله لا يحابي أمة أو جماعة بشكل تعسفي، فهو إله الحق والعدل، وهو ينصر الذين يعدلون. علاوة على ذلك، ترسي التوراة مبدأً واضحاً: إن الحق في السكن في الأرض يعتمد على إقامة العدل وشرائع الله. فعندما يفسد البشر طرقهم ولا يمارسون العدل، فإن الأرض نفسها "تقذف" سكانها، كما ورد في سفر اللاويين (18: 26-28)  " تَحْفَظُونَ أَنْتُمْ فَرَائِضِي وَأَحْكَامِي... لِكَيْ لاَ تَقْذِفَكُمُ الأَرْضُ بِتَنْجِيسِكُمْ إِيَّاهَا كَمَا قَذَفَتِ الأُمَمَ الَّتِي قَبْلَكُمْ".

بين النبوءة والأهواء البشرية

يجب أن ندرك أن التاريخ والواقع الإنساني المعقد هما الوسيلة التي يحقق بها الله كلمته. النبوءات لا تتحقق بالقوة، أو بالظلم، أو بسفك الدماء، أو بالعدوان على الجيران – خاصة أولئك الذين وُقعت معهم اتفاقيات سلام وأمان. إن مثل هذا العدوان لا ينبع من نبوءة دينية، بل من أهواء بشرية.

إن التفسير المسؤول للكتب المقدسة يتطلب حذراً شديداً، لا سيما فيما يتعلق بحياة الإنسان وسلامته. يجب أن نحذر من الغطرسة والنشوة، متذكرين أن طرق الله هي طرق السلام. إن الله غني عن "مساعدين" يحققون كلمته بوسائل الظلم. إن إقامة الإنسان في الأرض مشروطة بفعل الخير وإقامة العدل؛ وبدون ذلك، تظل الأرض نفسها هي الحكم العدل.

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة