نَعْيُ فَاضِلِ المَرْحُومِ عَبْدِ الوَهَّابِ دَرَاوْشَة

وَالدَّهْرُ مُولَعٌ بِالسُّرَاةِ مِنَّا، فَمَا يَأْخُذُ إِلَّا المُهَذَّبَ الغِطْرِيفَا.
مَا كَانَ أَبَا بَاسِلٍ هُلكَهُ وَحْدَهُ، لَكِنَّهُ بُنْيَانُ قَوْمٍ تَهَدَّمَا.
كَأَنَّ بَنِي مُوسَى يَوْمَ وَفَاتِهِ نُجُومُ سَمَاءٍ خَرَّ مِنْ بَيْنِهَا البَدْرُ.

لَمْ أُقْدِمْ عَلَى ذِكْرِ أَمْرِهِ عَلَى مَا عَزَّ مِنَّا عَلَيْهِ،
إِلَّا بَعْدَ مَا لَمْ يَدَعِ اليَقِينُ لِلشَّكِّ مُعْتَرِضًا.
إِنَّهَا خَوَاطِرُ تَزَاحَمَتْ فِي النَّفْسِ حَتَّى فَاضَتْ،
ثُمَّ هَطَلَتْ شَآبِيبُ الكَلَامِ،
وَظَهَرَتْ مَعَادِنُهَا وَنَدَرَتْ مَوَاطِنُهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِكْرَاهٍ وَلَا اغْتِصَابٍ،
فَعَجَزَ اليَرَاعُ وَكَلَّ عَنْ تَدْوِينِهَا.

أَمَّا وَقَدْ أَلْقَمَنِي ثَدْيَ عُلُومِهِ،
وَشَنَّفَ آذَانِيَّ بِفَرَائِدِهِ،
حَتَّى شَحَذَ مِنْ طَبْعِي مَرْهَفًا،
وَبَرَى مِنْ نَبْعِي مَثَقَفًا؛
فَهَذِهِ قَطْرَةٌ مِنْ بَحْرِ عِلْمِكَ،
وَكَلِمَةٌ مِنْ سِفْرِ أَدَبِكَ،
فَمَا يَسْفَحُ بِهِ قَلَمِي إِنَّمَا هُوَ مِنْ نَسِيمِ أَسْحَارِكَ.

وَإِنْ لَمْ نَبْلُغِ المُرَادَ،
وَلَا وَفَى اللِّسَانُ بِمَا فِي الفُؤَادِ.

رَحِمَ اللَّهُ أَبَا بَاسِلٍ.
لِلَّهِ دَرَّك، لَقَدْ جَمَعْتَ فَأَوْعَيْتَ،
وَقَدَحْتَ فَأَوْرَيْتَ.

رَأَيْنَاكَ مِلْءَ الجَوَانِحِ هَيْبَةً،
مِلْءَ النَّوَاظِرِ هَيْئَةً،
مَا كُنْتَ فِي رَأْيِ العُيُونِ لِتَصْغَرَا.

كُنْتَ مِنْ أَهْلِ الفِطْنَةِ وَالدِّرَايَةِ،
مِمَّنْ لَا تَجُوزُ عَلَيْهِ مَخْرَقَةُ أُولِي الغِوَايَةِ.

كُنْتَ مِصْبَاحَ الدُّجَى،
مَا غَابَ نَجْمٌ أَوْ بَدَا،
وَنَفْسٌ أَبَتْ إِلَّا اهْتِزَازًا لِلْعُلَا.

فَوَلَّتْ مَآثِرُكَ عَلَى مَا ظَهَرَ مِنْ خَصَائِصِكَ
دَلَالَةَ الشَّمْسِ فِي النَّهَارِ،
مَعْدُودًا مِنْ أُولِي النَّبَاهَةِ.

اجْتَمَعَ فِيكَ مِنْ إِبَاءِ النَّفْسِ وَعِزَّتِهَا،
وَسَدَادِ السِّيرَةِ وَاسْتِقَامَتِهَا،
و مُيِّزَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الرِّجَالِ،
فَثَقُلْتَ وَزْنًا وَرَجَحْتَ

رَأَيْنَاكَ سَدَّادًا لِلخَلَلِ ، وَعِمَادًا فِي الحَادِثِ الجَلَلِ، وَسَهْمًا فِي كِنَانَتِهِ صَائِبًا، وَشِهَابًا فِي سَمَاءِ بِلَادِكَ ثَاقِبًا، وَسَيْفًا قَاطِعًا، وَمِجَنًّا عَنِ الحَوْزَةِ مَانِعًا.

وَلَقَدْ رَأَيْتَ صَوَابًا بِرَفْعِ عَنِ المَحَجَّةِ نِقَابًا، لَمْ تَسْلُكْ غَيْرَ العِزِّ مَذْهَبًا وَمَقْصِدًا، وَلَكَ نَارٌ بِاليَفَاعِ لَا تُخْمَدُ.

قَدْ كُنْتَ كَالْقَطْرِ أَيْنَمَا وَقَعَ نَفَعَ، وَاللَّهُ تَعَالَى سَقَى بِكَ كُلَّ قَضْبَةٍ ذَوَى صَيْحِهَا.

بَاسِلٌ تَعَوّدُ الإقْدَامُ حَيْثُ تَزِلُّ الأَقْدَامُ، وَرَأَى الإِحْجَامَ عَارًا لَا تَمْحُوهُ الأَيَّامُ، وَابْتِنَاءَ المَنَاقِبِ بِاحْتِمَالِ المَتَاعِبِ، وَإِحْرَازَ الذِّكْرِ الجَمِيلِ بِالسَّعْيِ فِي الخَطْبِ الجَلِيلِ.

الحِلْمُ طَبِيعَتُهُ، وَالرَّأْيُ السَّدِيدُ سَجِيَّتُهُ؛ إِنْ نَطَقَ أَصَابَ، وَإِنْ سَمِعَ وَعَى، حَتَّى أَصْبَحَتْ لِهَامَتِهِ الغَمَامَةُ عِمَامَةً.

قَدْ طَلَبَ النَّاسُ مَا بَلَغْتَ، فَمَا نَالُوا وَلَا قَارَبُوا وَلَوُ جَهَدُوا 

كُنْتَ السَّائِسَ الفَاضِلَ الَّذِي يَرْكَبُ الأَخْطَارَ وَيَخُوضُ الغِمَارَ، وَيُعَرِّضُ مُهْجَتَهُ فِيمَا يَنْفَعُ رَعِيَّتَهُ، وَلَكَ الأَيَالَةُ الَّتِي ظَلَّتْ سَاحَاتُهَا لَكَ رِحَابًا، تَشْهَدُ بِهَا الطُّرُوسُ، وَأَنَاخَتِ الأَيَالَةُ وَالرِّيَادَةُ بِأَفْنَائِكَ، وَأَلْقَتْ عَصَاهَا وَاسْتَقَرَّ بِهَا النَّوَى.

وَقَصُرَتْ خُطَى مَنْ يُجَارِيكَ، وَضَاقَ عَنْكَ بَاعُ مَنْ يُنَاوِيكَ، حَتَّى أَصْبَحَتِ الأَيَالَةُ بَعْدَكَ بَلْقَاعًا. وَكَأَنَّكَ لُؤْلُؤَةٌ يَتِيمَةٌ صَاغَهَا الرَّحْمَنُ مِنْ شَرَفٍ عَزَّتْ، وَلَمْ تَعْرِفِ الأَيَّامُ قِيمَتَهَا، فَرَدَّهَا اللَّهُ كَرَمًا مِنْهُ إِلَى الصَّدَفِ.

تَجْلُو بِطَلْعَتِكَ، كَمَا يَجْلُو ضَوْءُ الصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَصَّرَ بِكَ الدَّهْرُ عَنْ مَدَاهُ، فَلِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ، وَعَلَى كُلِّ جَائِحَةٍ ثَوَابٌ.

وَالدَّهْرُ طَوَى مَحَاسِنَكَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلكِتَابِ، وَاسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِكَ وَأَسْعَدَكَ، وَنَقَلَكَ إِلَى دَارِ رِضْوَانِهِ وَمَحَلِّ غُفْرَانِهِ، وَاخْتَارَ لَكَ النُّقْلَةَ مِنْ دَارِ البَوَارِ إِلَى دَارِ الأَبْرَارِ.

إِنَّ الرَّزِيَّةَ لَمْ تَدَعْ فِي العَيْنِ بَعْدَكَ لِلْمَصَائِبِ مَدْمَعًا، وَالصَّبْرُ يُحْمَدُ فِي المَوَاطِنِ كُلِّهَا إِلَّا عَلَيْكَ فَإِنَّهُ مَذْمُومٌ.

فَإِنْ ذَهَبَ أَثَرُكَ فَقَدْ بَقِيَ خَبَرُكَ، وَبَقِيَ مَشْهُورًا فِي الآفَاقِ ذِكْرُكَ، وَإِذَا ذُكِرَ المَجْدُ أَلْفَيْتَهُ، وَكَتَبَتْ أَوَّلَ حَرْفٍ مِنِ اسْمِكَ سَنَابِكُ الخَيْلِ فِي الجَلَامِدِ.

فَالسِّيرَةُ الحَسَنَةُ تَبْقَى بَقَاءَ الوَشْمِ، وَتَلُوحُ كَمَا يَلُوحُ النَّجْمُ.

لَا عَتْبَ عَلَى الدَّهْرِ فِيمَا اقْتَرَفَ، فَقَدْ أَحْسَنَ الخَلَفُ وَاعْتَذَرَ بِمَا وَهَبَ عَمَّا سَلَبْ، فَعَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ.

أَضْحَى لَنَا بَدَلًا مِنْهُ بَنُوهُ؛ هُمْ فِتْيَةٌ بِلَا امْتِرَاءٍ، وَأَشْبَالُ ذَاكَ اللَّيْثِ مِنْ غَيْرِ افْتِرَاءِ، وَمَنْ يَتَجَمَّلْ غَابَ الأَيَالَةَ مِنْهُ بِخَيْرِ شِبْلٍ كَفَلَ لَيْثٌ.

وَهَذَا صِنْوُ ذَاكَ الغُصْنِ النَّاضِرِ، وَشِبْلُ اللَّيْثِ الخَادِرِ، وَالشِّبْلُ إِنْ مَضَى مِنْ لَيْثِهِ بَدَلٌ.

رَحِمَ اللَّهُ أَبَا بَاسِلٍ، إِنَّهُ حُزْنٌ لَا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِعِبَارَةِ بَيَانٍ، وَلَا يَسْتَوْعِبُ وَصْفَهُ لِسَانُ قَلَمِي وَبَنَانِي.

أَدْرَكْتَ فِي رَيْعَانِ الشَّبَابِ حَزْمَ الكُهُولَةِ، وَسَرْدُ مَحَاسِنِكَ لَا تَتَّسِعُ لَهُ حَوَاشِي هَذَا البُرْدِ الرَّقِيمِ.

أَمَّا وَقَدْ سَلَكْتَ طَرِيقًا يَسْتَوْحِشُ فِيهِ لِقِلَّةِ سَالِكِيهِ، وَيَتِيهُ فِي قِفَارِهِ لِدُرُوسِ آثَارِهِ، وَصُعُوبَةِ الطَّرِيقِ لِقِلَّةِ الرَّفِيقِ.

وَأُلْهِمْتُمْ صَبْرًا هَوَّنَ عَلَيْكُمْ احْتِمَالَ المَغَارِمِ؛ فَبِالصَّبْرِ تُنَالُ العُلَا، وَعِنْدَ الصَّبَاحِ يُحْمَدُ القَوْمُ السُّرَى.

أَمَّا وَقَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَ ذَوِي الأَلْبَابِ، وَثَبَتَ ثُبُوتًا لَا يُعَلَّلُ بِالارْتِيَابِ، أَنَّ الدُّنْيَا قَنْطَرَةٌ دَائِرَةٌ، وَمَعْبَرٌ إِلَى الآخِرَةِ، وَأَنَّ سَاكِنَهَا وَإِنْ طَالَ عُمْرُهُ، وَطَارَ فِي الخَافِقَيْنِ أَمْرُهُ، لَدِيغُ سُمِّهَا وَصَرِيعُ سَهْمِهَا.

فَمَا تَضْحِكُ إِلَّا لِتُنْكِي، وَلَا تُؤْنِسُ إِلَّا لِتُبْكِي.

فَإِنْ تَأَخَّرَ الأَجَلُ فَإِلَى غَايَةٍ، وَإِنْ تَطَاوَلَ الأَمَدُ فَإِلَى نِهَايَةٍ.

وَمَا نَحْنُ إِلَّا بَنُو الأَمْوَاتِ الَّذِينَ دَرَجُوا، وَسَنَخْرُجُ مِنَ الدُّنْيَا كَمَا قَبْلَنَا خَرَجُوا.

وَمَنْ وَثِقَ بِهَا خَانَتْهُ، وَمَنْ أَمَّلَهَا كَذَّبَتْهُ، وَمَنْ رَجَاهَا خَذَلَتْهُ.

وَالدُّنْيَا كُلُّهَا إِلَى شَتَاتٍ، وَكُلُّ حَيٍّ إِلَى مَمَاتٍ.

وَإِنَّا لَنَغْفُلُ وَالأَيَّامُ فِي الطَّلَبِ، وَإِنْ كُنْتَ فِي سِنَةٍ فَالدَّهْرُ يَقْظَانُ، وَمَا الدَّهْرُ فِي حَالِ السُّكُونِ بِسَاكِنٍ، لَكِنَّهُ مُسْتَجْمِعٌ لِوُثُوبٍ.

رَحِمَ اللَّهُ أَبَا بَاسِلٍ، أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكَ بِرَحْمَةٍ لَا تُحْصَى بِتَعْدَادٍ حَتَّى يَعْجِزَ عَنْ شُكْرِهَا اللِّسَانُ.

رَحْمَةً بَاقِيَةً تُشْرِقُ شَمْسُهَا إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وَتَعْبَقُ نَفَحَاتُ نَشْرِهَا إِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ.

دَاعِينَ اللَّهَ لَكُمْ فِي اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، وَمِنَ الذِّكْرِ الجَمِيلِ لَكُمْ فِي النَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى.

سَقَى اللَّهُ عَهْدَهُ، وَأَسْكَنَ الرَّحْمَةَ ثَرَاهُ وَلَحْدَهُ، وَقَدَّسَ مَثْوَاهُ، وَجَعَلَ الجَنَّةَ مَأْوَاهُ.

إِنْ تَحْزَنُوا فَقَدِ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ مِنْكُمُ الرَّحِمُ، وَإِنْ تَصْبِرُوا فَإِنَّ فِي اللَّهِ خَلَفًا مِنْ كُلِّ هَالِكٍ، وَفِي أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَسَالِفِ أَوْلِيَائِهِ أَفْضَلَ العِبْرَةِ وَأَحْسَنَ الأُسْوَةِ.

فَالْتَمِسُوا مَا وَعَدَ اللَّهُ مِنْ ثَوَابِهِ بِالتَّسْلِيمِ إِلَى قَضَائِهِ وَالانْتِهَاءِ إِلَى أَمْرِهِ.

فَإِنَّ مَا فَاتَ غَيْرُ مُسْتَدْرَكٍ، وَإِنْ لَمْ تَطِبِ النَّفْسُ عَنْهُ، وَإِنْ عَظُمَتِ اللَّوْعَةُ بِهِ.

وَلَا مَعْنَى لِحُزْنٍ يَقَعُ فِيهِ الاشْتِرَاكُ، وَلَا وَجْهَ لِأَسَفٍ عَلَى مَا لَا يَصِحُّ فِيهِ الاسْتِدْرَاكُ.

إِنَّ هَذَا الأَمْرَ لَيْسَ بِكُمْ بَدَأَ ، وَلَا إِلَيْكُمْ انْتَهَى، إِنَّهُ لَأَمْرٌ حَقٌّ وَوَعْدٌ صِدْقٌ.

الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَدَّرَ وَصَفَّى، وَصَلَوَاتُهُ عَلَى النَّبِيِّ المُصْطَفَى.

وَالْمَعْرِفَةُ بِأَحْوَالِ الدَّهْرِ تُجْبِرُكَ عَلَى العَضِّ عَلَى نَاجِذِ الصَّبْرِ، لَكِنَّ لِفَقْدِ الكِرَامِ لَوْعَةً، وَلِفَجَاءَةِ المُصِيبَةِ رَوْعَةً.

وَالنَّارُ أَرْفَقُ بِالزَّنَادِ مِنْ هَذِهِ المُصِيبَةِ بِالأَكْبَادِ.

عَظَّمَ اللَّهُ أَجْرَكُمْ، وَأَجْزَلَ صَبْرَكُمْ، وَجَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ وَرَائِهِ حَالًا يَجْمَعُ شَمْلَكُمْ، وَلَا يُفَرِّقُ مَلَأَكُمْ.

طُوبَى لِمَنْ ذَكَرَ المَعَادَ، وَعَمِلَ لِيَوْمِ الحِسَابِ، وَقَنِعَ بِالعَفَافِ، فَخَيْرُ الزَّادِ التَّقْوَى.

وَخَيْرٌ لَنَا أَنْ نَفْعَلَ مَا يَفْعَلُهُ الذَّاكِرُونَ وَنَقُولَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.


— عَبْدُ الوَهَّابِ أَسْعَد.

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة