التوجيهي هذا العام... امتحان لمنظومة التعليم الفلسطينية

صفاء محمد أبو
نُشر: 28/06/26 23:48

لن تكون نتائج امتحان الثانوية العامة في فلسطين هذا العام معيارًا دقيقًا للحكم على المستوى العلمي للطلبة، لأن الامتحان يُعقد في ظروف استثنائية لم يشهدها التعليم الفلسطيني منذ عقود. فالتوجيهي لم يعد مجرد محطة أكاديمية تحدد مستقبل الطالب، بل أصبح اختبارًا حقيقيًا لقدرة منظومة التعليم الفلسطينية على الصمود في مواجهة الحرب والأزمات والانهيار الاقتصادي.
للمرة الأولى، يتقدم آلاف الطلبة إلى الامتحان ذاته، لكنهم لا ينطلقون من نقطة بداية واحدة. فبين خيام النزوح في قطاع غزة، ومراكز الإيواء، والظروف الأمنية والاقتصادية الصعبة في الضفة الغربية، وقاعات الامتحانات في عشرات الدول التي يقيم فيها الطلبة الفلسطينيون، وحتى داخل السجون الإسرائيلية، يخوض الجميع الامتحان نفسه، بينما تختلف الظروف التي أحاطت بكل واحد منهم بصورة تجعل الحديث عن تكافؤ الفرص أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.
من هنا، أعتقد أن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون: كم ستكون نسبة النجاح؟ بل: هل تستطيع نتائج الامتحان أن تعكس المستوى العلمي الحقيقي للطلبة؟ فالطالب الذي عاش شهورًا من النزوح، أو انقطع عن الدراسة، أو تلقى تعليمًا متقطعًا، لا يمكن مقارنته بطالب عاش عامًا دراسيًا أكثر استقرارًا. لذلك فإن النتائج قد تعكس حجم المعاناة التي مر بها الطلبة أكثر مما تعكس قدراتهم الأكاديمية.
وفي تقديري، فإن الأزمة التعليمية في فلسطين لم تعد أزمة واحدة، بل أزمتان متوازيتان. ففي قطاع غزة، أدت الحرب إلى تدمير المدارس والجامعات وتحويل عدد كبير منها إلى مراكز لإيواء النازحين، وهو ما تسبب في انهيار شبه كامل للعملية التعليمية. أما في الضفة الغربية، فإن الأزمة المالية، واستمرار اقتطاعات أموال المقاصة، وأزمة رواتب المعلمين، والخلافات النقابية، ألقت بظلالها على انتظام الدراسة ومستوى التحصيل العلمي، حتى وإن اختلفت طبيعة التحديات عن تلك التي تواجهها غزة.
ورغم هذا الواقع القاسي، فإن أكثر ما يستحق التوقف عنده ليس حجم الدمار، بل قدرة الطلبة على التمسك بحقهم في التعليم. فالصور التي خرجت من غزة لطلبة يؤدون امتحاناتهم بين الأنقاض، أو داخل مراكز النزوح، أو وهم يتغلبون على إصابات الحرب، لا تمثل مشاهد إنسانية مؤثرة فحسب، بل تعكس رسالة واضحة مفادها أن التعليم بالنسبة للفلسطينيين ليس رفاهية، وإنما شكل من أشكال الصمود.
لكن الصمود الفردي، مهما كان عظيمًا، لا يمكن أن يكون بديلًا عن مسؤولية المؤسسات. فمن غير المنطقي أن يبقى الطلبة وحدهم في مواجهة أزمات متلاحقة، بينما تتراجع قدرة النظام التعليمي على التكيف مع الظروف الاستثنائية. ولهذا، فإن حماية التعليم يجب أن تبقى أولوية وطنية، حتى في ظل الأزمات المالية والسياسية.
ولا أقصد بذلك التقليل من صعوبة الخيارات التي تواجهها الحكومة الفلسطينية في ظل الضغوط الاقتصادية، لكنني أرى أن التعليم لا ينبغي أن يُعامل باعتباره بندًا يمكن تأجيله أو تقليصه كلما اشتدت الأزمة. فالاستثمار في التعليم ليس إنفاقًا استهلاكيًا، بل هو استثمار في مستقبل المجتمع كله، لأن أي تراجع في جودة التعليم اليوم سيظهر أثره غدًا في الاقتصاد وسوق العمل والبحث العلمي وبناء المؤسسات.
كشفت الأزمة الحالية عن ضرورة إجراء مراجعة جادة لأولويات الإنفاق العام، فحين تتعرض الموارد لضغوط استثنائية يصبح من الطبيعي إعادة ترتيب الأولويات بما يحافظ على القطاعات الأكثر تأثيرًا في مستقبل المجتمع. ويأتي التعليم في مقدمة هذه القطاعات، ليس لأنه يقدم خدمة عامة فحسب، بل لأنه يصنع رأس المال البشري الذي تقوم عليه عملية التنمية والتعافي بعد الأزمات.
صحيح أن الحكومة الفلسطينية تواجه التزامات مالية متزايدة وظروفًا اقتصادية معقدة، إلا أن الاستثمار في التعليم يجب أن يُنظر إليه باعتباره استثمارًا استراتيجيًا لا عبئًا ماليًا. فكل تراجع في جودة التعليم اليوم ستكون له كلفة أكبر غدًا، سواء على مستوى الاقتصاد، أو سوق العمل، أو قدرة المجتمع على إنتاج الكفاءات التي يحتاجها لإعادة البناء. لذلك، فإن مراجعة سياسات الإنفاق بما يمنح التعليم أولوية أكبر ليست ترفًا، بل ضرورة تفرضها المرحلة.
قد تُعلن نتائج "التوجيهي" خلال أسابيع، لكنني أعتقد أن النتيجة الأهم لن تكون نسبة النجاح، بل الدرس الذي يجب أن تتعلمه المؤسسات من هذا العام الاستثنائي. فالطلبة أثبتوا مرة أخرى أن الإرادة قادرة على تجاوز الحرب والنزوح والأزمة الاقتصادية، أما الامتحان الحقيقي فيبقى امتحان قدرتنا على بناء منظومة تعليمية تحمي حق الأجيال المقبلة في تعليم مستقر وعادل، مهما كانت التحديات.

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة