الطفولة والشهادة والتحوّلات السردية:

أ. سامي قرّه
نُشر: 03/05/26 23:16

أدب الأطفال الفلسطيني في سياقات الحرب والعنف

مقدّمة

تُفهم الطفولة، ضمن المقاربات المعاصرة في سوسيولوجيا الطفولة، لا بوصفها مرحلة بيولوجية ثابتة أو معطًى طبيعيًا، بل كبناء اجتماعي وتاريخي يتشكّل عبر تفاعل معقّد بين القوى الثقافية والسياسية والاجتماعية (Qvortrup, 2009; Prout & James, 2015). وعلى هذا الأساس، لا تُعدّ الطفولة حالة كونية موحّدة، بل فئة متغيّرة تاريخيًا وثقافيًا، تتحدّد ملامحها داخل شبكات الخطاب والسلطة والمعرفة التي تُعرّف ما يعنيه أن يكون الفرد "طفلًا" في سياق معيّن2005)  (Jenks,.

وفي حقل أدب الأطفال، لا تُختزل تمثيلات الطفولة في محاكاة واقع مُسلَّم به، بل تنخرط في إنتاجه وإعادة تشكيله، عبر الأطر السردية التي تؤطّر إدراك الطفل لذاته وللعالم (Nikolajeva, 2014). وبناءً على ذلك، فإن تمثيلات الطفولة في الأدب، ولا سيما في السياقات المُسيَّسة، لا تعكس براءة طبيعية مفترضة، بل تكشف عن تشكّل التجربة الطفولية ضمن شروط تاريخية وسياسية محدّدة؛ إذ يتكوّن وعي الطفل في تماس مباشر مع علاقات القوّة والذاكرة الجمعية.

وتتجلّى هذه الطبيعة المُشيَّدة للطفولة بوضوح أكبر في سياقات الحروب والعنف، حيث لا تعود الطفولة منفصلة عن الواقع السياسي أو محصّنة منه، بل تغدو متجذّرة فيه ومتشابكة مع تعقيداته البنيوية. وفي هذا الإطار، يوفّر أدب الأطفال الفلسطيني فضاءً نقديًا لتحليل كيفية اشتباك السرديات مع هذه الشروط، ودورها في إعادة تشكيل دلالات الطفولة.

الإطار النظري

تنبني هذه المقالة على مقاربة تقاطعية تجمع بين دراسات الطفولة[1] ونظرية الصدمة[2] وخطاب الشهادة،[3] باعتبارها محاور نظرية متداخلة تتضافر لتفكيك مفهوم الطفولة وإعادة النظر فيه؛ إذ لا تعود الطفولة بنية جامدة، بل صيرورة ديناميكية تتشكّل ضمن سياقات تاريخية وسياسية محدّدة.

أولًا، يتيح منظور دراسات الطفولة تفكيك التصوّرات المعيارية التي تُحيل الطفولة إلى فضاء محميّ يفصل الطفل عن تعقيدات الواقع الاجتماعي والتاريخي والسياسي، أو ما يمكن تسميته مجازًا بـ"شرنقة الطفولة" في الخطابات الغربية السائدة (Aries, 2020; Prout & James, 2015). غير أن سياقات العنف والحرب تكشف حدود هذا التصوّر؛ إذ تتفكك هذه "الشرنقة"، لتنبثق أنماط طفولة تتشكّل داخل شروط عدم الاستقرار وارتهان الحياة اليومية للعنف البنيوي والعنف المباشر، بما يعيد تعريف الطفولة بوصفها تجربة مُتموضعة لا حالة كونية. وفي هذا السياق، لا يقتصر أدب الأطفال على تمثيل الطفولة، بل يُسهم في إنتاجها، من خلال البنى السردية التي تنظّم إدراك الطفل للعالم (Nikolajeva, 2014).

ثانيًا، توفّر نظرية الصدمة إطارًا تحليليًا لفهم الكيفية التي تتحدّى بها تجارب العنف إمكان التمثيل المباشر؛ إذ لا تُدرَك الصدمة على أنها حدثًا مكتملًا في لحظة وقوعه، بل تظهر عبر عودة متكررة وتأخر في الاستيعاب، يظهران في صور من التفتّت والانزياح السردي (Caruth, 2016). وفي ضوء هذا التصوّر، يمكن فهم الطفولة باعتبارها موقعًا لإعادة تجسيد التجربة الصادمة وتأويلها، حيث يكشف الطابع المؤجَّل للصدمة عن مقاومتها للتمثيل الخطي، وما يترتّب على ذلك من تحدّيات خاصة في أدب الأطفال. ففي هذا السياق، يواجه الكُتّاب والكاتبات توترًا بنيويًا بين ضرورة أداء الشهادة على العنف، وبين الاعتبارات الأخلاقية والجمالية المرتبطة بحماية المتلقي الطفولي من الإفراط في التعرّض للصدمات، الأمر الذي يدفع إلى تبنّي استراتيجيات سردية غير مباشرة تقوم على الإيحاء والرمزية بدل التصريح.

ثالثًا، يحتل مفهوم الشهادة موقعًا مركزيًا في هذا الإطار النظري، إذ يُفهم بوصفه فعلًا سرديًا يتجاوز نقل الحدث إلى عملية تفاعلية وأخلاقية تقوم على العلاقة بين القول والإصغاء، حيث لا تكتمل الشهادة إلا ضمن هذا التبادل (Felman & Laub, 1992). وفي السياق الفلسطيني، يمكن قراءة سرديات الأطفال باعتبارها أشكالًا خاصة من الشهادة، لا تقتصر على تمثيل التجربة الفردية، بل تعيد وصلها بالذاكرة الجمعية، بما يجعل السرد فضاءً لإنتاج المعنى ومقاومة المحو.

وإمعانًا في تفكيك هذا الفهم العلائقي للشهادة، كما يتجلّى في سرديات الأطفال في السياق الفلسطيني، تؤكد الأدبيات النظرية المعاصرة أن الشهادة لا تمثّل نقلًا شفافًا للحدث، بل تُفهم بوصفها فعلًا مركّبًا يتشكّل داخل حدود اللغة وإمكانات القول، ويرتبط بمناطق العجز عن التعبير الكامل (Agamben & Heller-Roazen, 1999). ومن منظور إبستمولوجي، تتسم الشهادة بوساطتها وعدم استقرارها، إذ تتأسس على التكرار والاختلاف واستحالة اكتمال حضور المعنى (Derrida, 2000) . كما تُصوَّر الصدمة بمثابة تجربة مؤجَّلة لا تُستوعب لحظة وقوعها، بل تعاود الظهور في السرد عبر الانقطاع والتكرار (Caruth, 2016). وفي السياق ذاته، يمكن توسيع هذا التصوّر من خلال ربط الشهادة بالحياة اليومية، حيث تتجسّد ممارسات المعايشة والتوثيق داخل النسيج الاجتماعي والعلاقات اليومية، لا بوصفها فعلًا توثيقيًا فحسب (Das, 2006).

وأخيرًا، يُسهم مفهوم "الفاعلية" في تعقيد التصوّرات الاختزالية التي تُصوّر الأطفال على أنهم مجرد ضحايا سلبيون. فحتى في السياقات المقيّدة، يستمر حضور الطفل بوصفه ذاتًا فاعلة، قادرة على التفسير والتأويل والمشاركة في سرد تجربتها، بما يتقاطع مع دوره بوصفه منتجًا للمعنى داخل النص (Nikolajeva, 2014). وبهذا المعنى، لا تُختزل الطفولة في موقع التلقي السلبي، بل تتبدّى كحقل ديناميكي تتقاطع فيه الهشاشة مع إمكانات التعبير والمقاومة الرمزية.

إعادة بناء مفهوم الطفولة

تُفكِّك النصوص المختارة التصوّرات السائدة التي تختزل الطفولة في كونها فضاءً للبراءة المنفصلة عن الواقع؛ إذ تعيد صياغتها داخل بُنى سردية تكشف تداخل التجربة الطفولية وتقاطعها مع شروط العنف التاريخي، وبذلك تبرز الطفولة كتجربة مُتموضعة لا كحالة طبيعية سابقة على الخطاب.

ويتقاطع هذا الطرح مع ما تشير إليه المقاربات النقدية في دراسات الطفولة حول الطابع البنائي للطفولة في الأدب، إذ لا تُفهم بوصفها معطًى ثابتًا، بل بوصفها تصوّرًا يُعاد إنتاجه عبر التمثيل السردي وأنماط الخطاب الثقافي. ومن هذا المنظور، تُنتقد النماذج الكونية المعيارية للطفولة التي تفترض تجانسًا في التجربة الإنسانية، لما يترتب على ذلك من إغفال للسياقات غير الغربية ومناطق النزاع، وطمس للفوارق التاريخية والسياسية التي تتشكّل الطفولة ضمنها.

تكشف النصوص الأدبية الموجّهة للأطفال في السياق الفلسطيني عن حدود هذه النماذج، إذ تُظهر أن الطفولة لا تتشكّل خارج التاريخ، بل داخله، ضمن شروط غير متكافئة من العنف البنيوي والاستعمار، بما يعيد تشكيل معانيها وحدودها الدلالية باستمرار (Jenks, 2005). وبهذا المعنى، لا تظهر الطفولة كفئة طبيعية أو بريئة، بل كنتاج لعلاقات قوة تُنظّم إمكان تمثيلها وإدراكها السياسي.

ومن ثمّ، لا تُقدَّم الطفولة في أدب الأطفال الفلسطيني كفئة مستقلة أو مكتفية بذاتها، بل كحقل دلالي يُنتَج سرديًا ويُعاد تشكيله عبر تفاعله مع أنماط التمثيل والذاكرة والخطاب، بما يفتح المجال لفهمها ضمن بنية خطابية أوسع تُنتِج المعنى بدل أن تعكسه. وبهذا، يتحوّل أدب الأطفال من وسيط تمثيلي إلى فضاء معرفي يُسهم في إعادة تعريف الطفولة ذاتها ضمن سياقاتها التاريخية والسياسية.

الأطفال شهودًا ورواة وفاعلين

يحتل تموضع الأطفال بوصفهم شهودًا موقعًا مركزيًا في هذه السرديات؛ إذ يساهمون عبر الملاحظة والتذكّر في توثيق التجربة المعيشة وإعادة تشكيلها سرديًا، بما ينسجم مع الوظيفة الأوسع لأدب الشهادة بكونه آلية لحفظ الذاكرة ومقاومة المحو والإلغاء (Felman & Laub, 1992).

ويتضح هذا البعد في رواية "قطعة صغيرة من الأرض" حيث تكشف علاقة الطفل كريم بالمكان عن توتر بين القيد المادي والمقاومة الرمزية (ليرد، 2003). فعندما يرى كريم الجنود يعبثون بملعبه في مخيم اللاجئين، يتشكّل خطاب داخلي مقاوم يتكرّر فيه القول: "انصرفوا من هنا. انصرفوا من هنا. هذا المكان لنا". في هذه اللحظة، لا يعبّر كريم عن عجزه بوصفه حالة سلبية، بل يعيد إنتاج المكان دلاليًا باعتباره مجالًا للانتماء والمقاومة المتخيّلة، بما يجعل من القول فعلًا شهاديًا رمزيًا في مواجهة نزع الملكية.

ومن خلال هذه الإيماءة اللغوية، يُعاد تشكيل المكان من حيث هو أكثر من حيّز جغرافي، ليغدو بنية دلالية مشحونة بالانتماء والصراع. وتكشف ملاحظات كريم عن قيود الحركة وآليات السيطرة عن منظور طفولي يتقاطع فيه الإدراك الحميمي مع الوعي السياسي الناشئ، حيث تتحوّل الخبرة اليومية إلى شكل من الشهادة السردية التي تقاوم المحو وتعيد تثبيت المعنى في مواجهة العنف الرمزي.

لا يقتصر كريم على موقع المشاهدة، بل يتخذ موقع السارد الفاعل الذي يعيد تنظيم التجربة عبر وعيه التأويلي. فعبارة "هذا المكان لنا" لا تعمل كتسجيل للحدث، بل كإعادة إنتاج له ضمن أفق دلالي بديل، ما يحوّل السرد إلى معرفة تقوّض مركزية الخطابات المهيمنة وتعيد توزيع السلطة المعرفية داخل النص بما يمنح الطفولة موقعًا إنتاجيًا داخل عملية بناء المعنى (Nikolajeva, 2014).

وعلى نحو مماثل، تكشف رحلة حياة وصديقها سامي في رواية "حينما كان للشوارع أسماء" عن نموذج آخر للشهادة المتجسدة، حيث تُختبر التجربة عبر الجسد والحركة بوصفها خبرة معيشة لا مجرد تمثيل سردي (عبد الفتاح، 2016). ويتكثف هذا البعد في لحظة الانتقال بين بيت لحم ورام الله؛ إذ يتحوّل الفعل اليومي كالزفاف أو التنقل إلى تجربة مشروطة بالتأخير والحواجز، بما يكشف تشظّي العلاقة بين الزمن والمكان تحت شروط السيطرة.

ويعيد حضور الجدار تشكيل الجغرافيا بوصفها بنية سياسية، تُعيد تعريف القرب والبعد؛ إذ تصبح المسافات القصيرة زمنيًا مسافات طويلة وجوديًا. ويتعمق هذا المعنى في رحلات العبور بين بيت لحم والقدس، حيث لا تُمارَس الحركة بوصفها حرية، بل بوصفها فعلًا معلّقًا على إجراءات المراقبة والانقطاع، ما يحوّل الطريق إلى سلسلة من التقطعات الزمنية والمكانية المثقلة بالتجربة الوجودية.

في هذا الإطار، ينكشف وعي حياة الطفولي في ملاحظتها أن "الطرق التي كانت قريبة أصبحت بعيدة"، بما يعكس انقلابًا في إدراك المكان تحت تأثير الانقسام السياسي. وهكذا، تُقدَّم الحركة ذاتها كنوع من الشهادة الجسدية على تفكك المكان وإعادة إنتاجه قسرًا.

أمَا في كتاب الشهادات "نحن لسنا أرقامًا" فتتخذ الشهادة طابعًا صريحًا، حيث تُبنى عبر ضمير المتكلم بوصفه فعلًا لتأكيد الوجود في مواجهة سياسات التجريد (Alnaouq, & Bailey, 2025). فعبارة "أنا لست رقمًا" لا يعمل كتعبير فردي فقط، بل كرفض بنيوي لنزع الإنسانية، وتحويل الشهادة إلى فعل مقاومة يعيد تثبيت الذات داخل الخطاب. كما يغدو هذا الإعلان رفضًا صريحًا لسياسات تجريد الإنسان الفلسطيني من إنسانيته، وتأكيدًا حاسمًا على الهوية الفردية والحضور، بحيث تستحيل الشهادة إلى فعل من أفعال المقاومة.

وفي المجموعة الشعرية "مليون طائرة ورقية" تتسع وظيفة الشهادة لتأخذ طابعًا تخيّليًا رمزيًا؛ إذ تتحوّل الطائرات الورقية إلى علامات على التوق إلى الحرية وتجاوز القيد (Boukarim & Luzon, 2024)، وهنا يصبح التحليق فعلًا مزدوج البعد: ماديًا وتخيّليًا، يعيد تعريف العلاقة بين الجسد والفضاء ضمن أفق مقاوم.

وتكشف تجربة الطفلة نادين عن هذا البعد بوضوح، إذ تُوظّف الطائرات الورقية كامتداد رمزي للذات، وكوسيط لعبور الحدود التي يعجز الجسد عن تجاوزها. وفي هذا السياق، لا تُقدَّم الطفولة بوصفها براءة ساذجة، بل باعتبارها قدرة على إنتاج معنى بديل داخل شروط القهر.

وفي المجمل، لا تُقدَّم الشخصيات الطفولية على انها ضحايا أو متلقّين غير فاعلين، بل كذوات فاعلة تُنتِج المعنى داخل البنية السردية، بما يعكس تحوّل الطفولة من موضوع للسرد إلى فاعل في إنتاجه (Nikolajeva, 2014).

الاستراتيجيات السردية والجمالية لتمثيل الصدمة

تقتضي عملية تمثيل الصدمة في أدب الأطفال اعتماد استراتيجيات سردية وجمالية تُوازن بين الاعتبارات الأخلاقية للتمثيل الأدبي والقدرات الإدراكية والعاطفية للقرّاء الناشئين. وعلى ضوء ذلك، لا تُقدَّم الصدمة باعتبارها حدثًا قابلًا للسرد الخطي، بل بكونها خبرة تُقاوم التماسك الزمني وتُنتِج أشكالًا بديلة من التمثيل.

تُعدّ بنية التشظّي السردي إحدى أبرز هذه الاستراتيجيات، إذ تعكس تفكك الاستمرارية الزمنية الذي يرافق التجربة الصادمة (Caruth, 2016). فبدل السرد المتسلسل، تتجلى التجربة عبر الانقطاع والتكرار والتجاور غير المتجانس، بما يعيد تشكيل الحدث بوصفه أثرًا متجزئًا أكثر من كونه حكاية مكتملة. ويتضح ذلك في كتاب "نحن لسنا أرقامًا"، حيث تتجاور الشهادات القصيرة مع لحظات الصمت والانقطاع، في بنية تعكس حياة متصدعة لا تُقدَّم كوحدة سردية متماسكة، بل كأثر مستمر للتجربة العنيفة.

وإلى جانب التشظّي السردي، تبرز الرمزية بوصفها آلية تمثيل غير مباشر تُتيح مقاربة العنف دون الوقوع في المباشرة التقريرية. ففي المجموعة الشعرية "مليون طائرة ورقية"، تتأسس اللغة على شبكة رمزية كثيفة تُحوّل الطائرات الورقية والطيور والبحر إلى علامات على التوتر بين الانفتاح والقيد. ويُنتِج هذا النظام الرمزي أفقًا دلاليًا مزدوجًا: أفقًا يحيل إلى الحرية والتخيّل، وآخر يستبطن ثقل الحصار والحدود.

ويتضح هذا التوتر في شهادة الطفلة رهف: "طائرتي الورقية تحلّق أعلى من الجدران"، حيث لا يُفهم التحليق كحركة مادية، بل كفعل تخيّلي يعيد تعريف إمكانية تجاوز الواقع داخل فضاء رمزي. وبهذا المعنى، لا تعمل الاستعارة على تمثيل الصدمة مباشرة، بل على إعادة تنظيمها ضمن مسافة جمالية تُبقي أثرها دون استنزافه في خطاب مباشر.

وبالموازاة مع ذلك، يوظّف كتاب "أنا طفل من غزة" التكرار والبساطة التقريرية بوصفهما استراتيجية سردية قائمة على تقليل الوسائط اللغوية وإبراز الصوت المباشر (Joseph, 2024). فالتكرار في عبارة "أنا طفل من غزة" لا يؤدي وظيفة إيقاعية فحسب، بل يعمل كآلية لتثبيت الهوية في مواجهة محاولات المحو والتجريد، محوّلًا القول إلى فعل تأكيد وجودي.

وضمن هذا الإطار، تكتسب شهادة الطفلة مريم بُعدًا مركبًا، إذ تقول: "اسمي مريم، وأنا من غزة. قد تعتقدون أني مجرد رقم في الأخبار، لكنني أحب الرسم وأحلم بسماء دون طائرات". هنا يتقاطع البعد الذاتي مع البعد السياسي، حيث يُعاد بناء الهوية الطفولية بكونها حضورًا كاملًا لا يُختزل في خطاب الأرقام أو التمثيل الإعلامي.

ومن خلال هذه الاستراتيجيات، يبرز ما يمكن تسميته بـ"التحفّظ الجمالي" بصفته خيارًا أخلاقيًا في تمثيل الصدمة، حيث يُستعاض عن التصوير المباشر للعنف بالإيحاء والاستعارة والتقطيع السردي. ويهدف هذا التحفظ إلى الحفاظ على قابلية التلقي لدى الطفل دون إلغاء أثر التجربة، بل عبر إعادة تنظيمها جماليًا بما يسمح بتداولها دون إعادة إنتاج صدمتها بشكل مباشر.

كما تتعزز هذه المقاربة عبر صيغ سردية هجينة تمزج بين الشهادة والسرد الشعري والمتخيّل، بما يُعيد تفكيك الحدود بين الأجناس الأدبية ويخلق طبقات متعدّدة من المعنى. ويمكن النظر إلى هذه الصيغ على أنها أشكالًا من الوساطة الجمالية، التي تُوازن بين ضرورة تمثيل العنف من جهة، والمسؤولية الأخلاقية تجاه المتلقي الطفل من جهة أخرى.

وظائف أدب الأطفال

1.    الوظيفة الشهادية

في كتاب الشهادات "نحن لسنا أرقامًا" تتجلى السرديات المرتبطة بالفقد والنزوح والصمود كـممارسة شهادية تتجاوز وظيفة التوثيق إلى إنتاج خطاب مقاوم للتجريد ونزع الإنسانية. فالنصوص لا تنقل التجربة المُعاشة باعتبارها مجرد حدث، بل تعيد تأطيرها ضمن منطق إنساني يُعيد الاعتراف بالذات في مواجهة سياسات الاختزال. وتكتسب شهادات الشباب والشابات في الكتاب بُعدًا دلاليًا يتجاوز النطاق التقريري، إذ يُصرّ المتكلمون على استعادة فردانيتهم في مواجهة تحويلهم إلى "أرقام"، بما يحوّل فعل السرد نفسه إلى ممارسة مقاومة رمزية. ومن ثمّ، لا تُفهم الشهادة على أنها نقل آلي للواقع، بل كفعل تأويلي يُعيد إنتاج المعنى ويؤسس لكرامة التجربة المُعاشة، لتغدو حجر الزاوية في طلب الاعتراف الإنساني.

2.    الوظيفة النفسية

في رواية "قطعة صغيرة من الأرض" يبرز انخراط الطفل كريم التخيّلي في المكان باعتباره آلية لإعادة تنظيم التجربة تحت شروط ضغط واقعي؛ إذ يُعاد تشكيل مساحة محدودة من الأرض إلى فضاء رمزي للعب والمعنى، بما يكشف عن وظيفة الخيال كآلية للتكيّف مع الواقع الصادم. ويتقاطع هذا التمثّل مع مفهوم "المرونة التخيليّة" الذي يجسد قدرة الطفل على استخدام الخيال لإعادة بناء الخبرة القاسية ومنحها قابلية للاستمرار النفسي دون انهيار (Nikolayeva, 2014). وهنا لا يعمل الخيال كهروب من الواقع، بل كإعادة تشكيل له من الداخل، حيث تتحوّل العناصر المادية البسيطة إلى مكوّنات لبنية رمزية قابلة للاستثمار التخيّلي. وبذلك، تتحوّل الأرض المحدودة إلى مجال دلالي يُعيد للطفل الإحساس بالتحكم النسبي وبالقدرة على الفعل، بما يجعل من الخيال آلية للحفاظ على التوازن النفسي في سياقات العنف والحرمان.

3.    الوظيفة التربوية

في رواية "حينما كان للشوارع أسماء" يتجاوز السرد وظيفته التمثيلية ليؤدي دورًا تربويًا معرفيًا يُنتِج فهمًا مركبًا للعالم عبر تداخل الخبرة الفردية مع الذاكرة الجمعية. فرحلة الطفلة حياة بين بيت لحم والقدس، وما يرافقها من عبور للحواجز والطرق الالتفافية، تُعيد تشكيل إدراكها للجغرافيا بوصفها بنية سياسية لا حيّزًا محايدًا. فالمسافة لم تعد تُقاس جغرافيًا فقط، بل تُعاد صياغتها زمنيًا ووجوديًا تحت تأثير القيود والحواجز، حيث يغدو القريب بعيدًا والمألوف مشروطًا بإمكانية العبور. ويتعمق هذا الفهم عبر روايات الجدّة زينب، التي تنقل للمكان بعده التاريخي كذاكرة حيّة. فمن خلال الحكايات المرتبطة بالشوارع وأسمائها وتحوّلاتها، تتبدّل الجغرافيا إلى نص ذاكراتي يُعيد ربط الحاضر بالماضي، ويكشف عن طبقات من الفقد والتحوّل. وفي هذا التداخل بين الخبرة المباشرة والمعرفة المنقولة، يتشكّل إدراك الطفلة للمكان بصفته حاملًا للهوية والتاريخ معًا، بما يجعل من الجغرافيا فضاءً تعليميًا مفتوحًا يُسهم في إنتاج الوعي التاريخي وإعادة تشكيل الذاكرة الجمعية.

4.    الوظيفة المقاوِمة

في المجموعة الشعرية "مليون طائرة ورقية" يتجاوز الفعل الشعري حدود التعبير الجمالي ليغدو ممارسة مقاومة تُعيد إنتاج الصوت في مواجهة أنظمة الصمت والمحو، مما يجعل من الكتابة الشعرية فضاءً لإعادة تثبيت الحضور داخل سياقات العنف والحرمان. ويتبلور هذا البعد المقاوم عبر منظومة رمزية قائمة على الحركة والانفلات، حيث تتحوّل الطائرات الورقية والطيور إلى علامات دلالية على إمكان تجاوز القيد وإعادة تعريف العلاقة مع الفضاء. فصورة الطائرة الورقية وهي تشقّ السماء وتعلو فوق الحدود لا تعمل كمجرد تمثيل مباشر للحرية، بل تتجلى كــإجراء تخيّلي يُعيد تنظيم العلاقة بين الجسد والمكان على أساس الإمكان بدل الإخضاع. ومن هذا المنظور، لا تُنتِج اللغة الشعرية معنى جماليًا فحسب، بل تُعيد تشكيل شروط إدراك الواقع ذاته، بحيث تصبح الكتابة فعلًا مقاومًا يُسهم في تفكيك بنى القهر الرمزية وإعادة توزيع إمكانات التعبير. وبهذا المعنى، لا يُفهم الشعر باعتباره خطابًا "عن" المقاومة، بل كــممارسة مقاوِمة تُنتِج المعنى من قلب شروط العنف، وتؤكد استمرارية الفعل الإنساني بصفته شكلًا من أشكال الصمود الرمزي والوجودي.

الخلاصة

تبيّن هذه المقالة أن الطفولة في أدب الأطفال الفلسطيني ضمن سياقات الحرب والعنف ليست معطًى طبيعيًا ثابتًا، بل بناءً سرديًا-اجتماعيًا يتشكّل داخل شروط تاريخية وسياسية محدّدة، بحيث يغدو الأدب فضاءً معرفيًا يُسهم في إنتاج الطفولة وإعادة تعريفها لا مجرد تمثيلها. وفي هذا الإطار، تظهر الشخصيات الطفولية باعتبارها ذواتًا شاهدة وفاعلة تُنتِج المعنى عبر السرد والتأويل، في حين يفرض تمثيل الصدمة تجاوز الأشكال الخطية واعتماد استراتيجيات جمالية غير مباشرة كالتشظّي والرمزية والتكرار، بما يجسّد ما يمكن تسميته بـ"التحفّظ الجمالي" الذي يخلق توازنًا أخلاقيًا بين أداء الشهادة على العنف وحماية المتلقي الطفولي دون إلغاء أثر التجربة.

وانطلاقًا من هذه النتائج، تؤسس المقالة لإطار نظري-تطبيقي لأدب الطفولة، يقوم على تمكين الصوت الطفولي، والاعتراف بفاعليته، واعتماد تمثيلات جمالية قادرة على استيعاب تعقيد التجربة دون اختزالها. كما تفتح المقالة آفاقًا لبلورة توصيات عملية للممارسين وكتّاب أدب الأطفال، تدعو إلى الكتابة من داخل منظور الطفل، وتجنّب النماذج النمطية، وتوظيف اللغة الرمزية والأشكال السردية الهجينة، بما يفتح المجال أمام الطفل باعتباره قارئًا فاعلًا وشريكًا في إنتاج المعنى.

وفي هذا الإطار، يمكن تطوير "نظرية للتغيير" تنطلق من فرضية أن إنتاج أدب أطفال واع بهذه الأبعاد يُسهم في تعزيز التعبير الذاتي والوعي النقدي لدى الأطفال، ويدعم قدرتهم على إعادة تأويل تجاربهم ضمن أفق من الصمود الرمزي. ويتحقق ذلك عبر تفعيل أنشطة ثقافية وتربوية تشمل إنتاج النصوص، وتنظيم ورش السرد والقراءة، بما يفضي إلى مخرجات تتمثل في نصوص وشهادات تعبّر عن التجربة الطفولية، وتؤسس لنتائج بعيدة المدى تتمثل في إعادة تشكيل مفهوم الطفولة وإنتاج معرفة من داخلها.

وأخيرًا، تستشرف المقالة تطوير مسار بحثي تطبيقي، يمكن لمؤسسات ثقافية مثل مؤسسة تامر الاضطلاع به، يقوم على الإنصات المباشر لأصوات الأطفال من خلال مقابلات مفتوحة وأنشطة سردية وتعبيرية مستلهمة من هذا الإطار. ويهدف هذا التوجّه إلى إنتاج معرفة تجريبية تنطلق من لغة الأطفال وتجاربهم، بما يتيح اختبار الفرضيات النظرية المطروحة، أو تطوير مفاهيم جديدة تنبثق من الميدان ذاته، ويُسهم في ترسيخ فهم أكثر تعقيدًا وإنسانية للطفولة في سياقات العنف.

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة