الأكثر قراءةهذا الأسبوع
آخر تعديل: السبت 20 / يوليو 05:02

خاطرة صرخة/ بقلم: رشا وتد

رشا وتد
نُشر: 16/07/20 14:07,  حُتلن: 01:59

لوحة صرخة للفنان النرويجي ادفارت مونك (مونش) والتي تعتبر ايقونة الفن الحديث حسب نقاد الفن، وثاني اشهر لوحة فنية بعد الموناليزا، رسمت اللوحة سنة 1893 اي قبل حوالي قرنين ولكنها تجسد حالة الانسان الحديث، اصل حكاية اللوحة وسبب رسمها دونت بأحد مذكرات الفنان مونك، والذي يقص فيها سبب رسمه لها، حيث انه يقول كنت سائرا انا وصديقي على احدى الجسور وكانت شمس الاصيل ايلة للغروب حيث شعرت بكآبة شديدة وحزن عميق لا اعرف سببه فملت الى السياج ورأيت ان السماء اصبحت دموية من هول الفجيعة وكأن الحزن ملأ عباب السماء، وظهر البحر مسودا غاضبا، يقال ان ذلك الجسر كان بخليج اوسلفورد في أوسلو جنوب شرق النرويج، الالوان التي استخدمها الفنان باللوحة مثل الاحمر الحاقن والاسود ترمز لشدة الحزن والألم والخوف التي شعر بها الفنان وصرخته التي لم يستطع احدا ان يسمعها حتى صديقيه المرافقين لم يسمعوا صرخته وأكملوا طريقهما وهو يقف هناك بجانب السياج وحيدا خائفا مرعوبا تتملكه مشاعر الحزن والخوف.
تلك اللوحة التعبيرية وجدتها افضل لوحة تتماهى لحد كبير وضع المجتمع العربي بجائحة كورونا، جائحة الجهل، جائحة كشرت عن انيابها عن الجاهلية والعنف وبذور القبلية التي مازالت مترسخة وقابعة في نفوسنا، تلك الصرخة الصامتة التي حولت السماء لدموية والبحر لسودوي، لم تصدر صوتا وبقيت متشابكة بالياف اللوحة وحبيسة الوانها، وهذا وضعنا في السنوات الاخيرة صرختنا لا تتعدى حدود اوتارنا الصوتية الصماء التي اسكتتها ضمائرنا الخائفة الراجفة من الاخر!، فتلك الصرخة اهي صرخة النساء المغدورات؟؟! ام صرخة الامهات الثكالى الباكيات النائحات على فلذات اكبادهن الذين افترشوا الارض بدمائهم؟؟! ام صرخة الطاعنين بالسن الخائفين من جحافل كورونا؟؟! أم صرخة لغتنا العربية التائهة بألسنتنا ؟؟! أم صرخة ثقافتنا العربية المزفوفة الى المقصلة ؟؟! أم صرخة الفقر الذي يدق ابوابنا؟؟؟! ام صرخة شبابنا وطموحاتهم منزوعة الصبر والكد ؟؟! ام صرخة امنا الارض المسلوبة ؟؟! ام صرخة ذلك العيد المسروق ؟؟! ام هي صرخة مجتمعنا العربي المغدور؟؟!، مجتمعنا العربي الايل للسقوط الزاحف الى الهاوية، لقد أسمعت صرختنا من فيه صمم ولكن نحن لم نسمعها نحن لاننا اصبحنا كالمومياء محنطين، فبأي نوع من الحقن تم تخديرنا ؟؟! وأين نحن من كل هذه الصاعقة ؟؟ لوهلة عند الرجوع للوحة، ترى فم الرجل بقي مثغورا لهول الفجيعة والألم والخوف وبقي متسمرا بموضعه لا ينبس بكلمة، هذا هو وضعنا وحالنا فمجتمعنا العربي تحول لمجتمع براغماتي مادي، المصلحة الشخصية تدوس بعجلاتها المصلحة العامة وتدعسها بالارض وتمرغها بالانانية تحت شعار اللهم نفسي وما بعدي الطوفان، المادية أسترسلت وأشرعت اذرعة سرطانها القاتل، الكل ينظر للآخر كرقم او حساب بالمصرف، والأخلاقيات والقيم باتت بخبر كان، تظهر فقط كشعارات بالحملات الأنتخابية أو المنابر كالمساجد او الاكاديميات والتي بعضها لم تتبرأ او تطهر ذممها من الفساد المستشري في المجتمع. فالمنظمة الاجتماعية من الرأس لأخمص القدم غارقة في ذلك البحر السودوي، أصبحت منابرنا جميعها الدينية وغيرها مسيسة، الشعار الاكثر تداولا "حكلي تحكلك" بلهجتنا العامية، مسح الجوخ، قم لي مصلحة لك مثلها بالمقابل، العملة تغطي العيون والغالبية يسير وراء القطيع، شبابنا يطمع بمستقبل واعد ولكن سبله ملغومة كأنهم يسيرون بأرض ألغام، سموم، أسلحة، سيارات فخمة الخ، كل هذا يحصلون عليه بسلاسة ولكن الثمن اعمارهم وزهرة شبابهم. الغالبية يسير وراء القطيع فالعملة سيدة الموقف فتباع الضمائر كما يباع كوز الذرة على ناصية الطريق . أصبحنا مجتمع متصحر ثقافيا؛ مفازات من الجهل الفكري الغارق بعذوبة العولمة والتكنولوجيا، كثرت الشهادات وملأت المكاتب ولكن العقول تنعق بها الغربان، عقول ترجع لابي جهل ولكن ليس الجهل الديني انما الجهل الثقافي.ونعود للسؤال الذي دائما يحيرنا ما الفرق بين المتعلم والمثقف؟ وعن أي ثقافة نتحدث؛ ثقافة الغرب أم ثقافتنا العربية، موروثنا الفكري؛ هذه السياط يجب ان يجلد بها مجتمعنا العربي نفسه وتضرب بكل بيت، وبكل حين فلا نحتاج لاعلام صهيوني، ليبين فظاعة المشهد فأن جائحة كورونا كشفت الغطاء عن مستورنا فطفت مياهنا الجوفية ولكنها لم تكن صالحة للشرب انما مياة حارقة؛ أصبح مجتمعنا العربي كالمسخ مشوه الهوية، مسخ هائم على وجهه يحتاج لبوصلة؛ بوصلة ثقافية قيمية اخلاقية لاعادته للدرب القويم، ان الاستعمار الغربي كان عدونا وما يزال ولكن هناك عدو خفي لم نستطع منعه من التغلغل لبيوتنا ووصل لكل بيت، انه كالوباء الاصفر وهو العولمة التي تحاول محو الملامح المتبقية من موروثنا الفكري . وان ما يدق ناقوس الخطر هو ان الاشخاص الذين ما زالت نزعة الاخلاقيات والقيم من شيمهم ينظر اليهم كالخارجين عن السرب واي شخص لا تتطابق صفاته مع ذلك المسخ يعتبر طفرة او ما يسمى باللهجة المصرية "دقة قديمة" او يتهم بتهمة السذاجة؛ فأنه بنظر المجتمع غير مواكبا للحداثة والعصرنة. اهتمامنا بالقشور وترك المضامين والاهتمام بالشكليات الزائفة والمظاهر الكاذبة، فالعلم والقراءة والثقافة واخلاقياتنا هي التي تسمو بنا الى مجتمع افضل. وفقا لتلك اللوحة فأن مجتمعنا يقف على ذلك الجسر وصرخة الوجوم والآسى ظاهرة كعين الديك، الكل يصرخ ولكن لا احد يسمع الاخر، فهذا هو الاغتراب بغير غربة؛ غربة عن الوطن وانت فيه فانه لا يشبهك ينتزعك كالشوكة كجسم غريب يقذفك لخارج الجسد المجتمعي. فعلينا ان نتحرر من اغلالنا ونخرج من سراديب العتمة والضياع ونعد الامور لنصابها فكلنا راع وكلنا مسؤول عن رعيته .

 موقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكاركم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية منبر العرب. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان:alarab@alarab.com


مقالات متعلقة