أحمد أبو عماد في مقاله:
كل القوى التقدمية التحررية حطمت المحاولات الرجعية من خلال موجة كبيرة من الثورات الشعبية في معظم دول اوروبا
يمكن تلخيص فترة نابليون في فرنسا حتى عام ١٨١٠ تقريبًا على أنها فترة تاريخية تميزت بتوسع فرنسا إقليميًا واقتصاديًا في أوروبا بشكل مثير للدهشة
معظم الثورات في العالم اندلعت حقًا في أعقاب أزمات اقتصادية واجتماعية لكنها وبالمقابل اندلعت ايضًا في ظل تطور صناعي تكنولوجي معين ساعد العناصر الثورية في إنجاح الثورة
في الأسبوع الماضي تطرقنا بإسهاب إلى كل مراحل الثورة الفرنسية منذ عام ١٧٨٩ وحتى ١٧٩٥ والتي يمكن تلخيصها بأنها مرت في عدة تغيّرات وإنقلابات وتغيير في مبنى النظام والدستور، وهذا الأمر قد ينعكس ايضًا في مصر وتونس، ففي هذا الأسبوع تبيّن أن الثورة في تونس لم تنته ابداً حيث أعلن الوزير الأول للحكومة الجديدة عن استقالته في أعقاب تجدد مظاهر الثورة ومطالبة الشعب التونسي باستقالة الحكومة الجديدة والإعلان فوراً عن إجراء انتخابات جديدة للسلطة التشريعية التأسيسية الأولى بشكل ديمقراطي. لقد لاحظنا أيضًا هذا الأسبوع في وسائل الإعلام بعض التقارير التي تم فيها التركيز على الإشكاليات التي تعرضت لها بعض الدول في الماضي في أعقاب الثورة – مثل ثورة الفلبين ورومانيا- التي قامت بها الشعوب على أمل إحداث تغييرات جذرية في المجال الإجتماعي والإقتصادي إضافة إلى المجال السياسي النظمي ولكنها لم تحقق هذه الغايات، وإنما دخلت هذه الدول في صراعات محلية عصيبة جداً أدت إلى تفاقم الأزمات مثلما حدث بالضبط في فرنسا في نهاية القرن الثامن عشر.
نهاية الثورة الفرنسية
دعونا نعود مجدداً الى مرحلة نهاية الثورة الفرنسية وظهور نابليون كقائد عسكري وكقائد سياسي لفرنسا منذ عام ١٨٠٠م. يمكن تلخيص فترة نابليون في فرنسا حتى عام ١٨١٠ تقريبًا على أنها فترة تاريخية تميزت بتوسع فرنسا إقليميًا واقتصاديًا في أوروبا بشكل مثير للدهشة إذ نجح هذا القائد ببسط سيطرته على معظم أجزاء أوروبا والمثير للدهشة بشكل اكبر هو أن نابليون قام بذلك تحت حجة نشر مبادئ الثورة الفرنسية التي لم يكن لها أي تعبير داخل فرنسا منذ وصول نابليون الحكم، كما أن الشعب الفرنسي لم يبد أية معارضة - في البداية - اتجاه هذه السياسة التوسعية والسلطوية.
لقد قرر نابليون القضاء على عدوه الأساسي -بريطانيا – وقرر ادخال هذه الجزيرة في حصار بحري شاركت فيه معظم دول اوروبا الواقعة تحت سيطرة فرنسا، هذا بالاضافة الى روسيا القيصرية التي كانت شريكة في هذا الحصار، ولكن وحينما بدأت دول اوروبا قاطبةً وروسيا في الشرق وحتى فرنسا تعاني من الحصار ذاته، قررت روسيا الخروج من هذا الحصار الأمر الذي حدا بنابليون إلى إعلان الحرب على روسيا في بداية العقد الثاني من القرن التاسع عشر وكانت هذه الخطوة بداية نهاية عصر نابليون حينما انهار الجيش الفرنسي المفكك امام جنرال الشتاء الروسي ومن ثم إنضمت باقي الشعوب والدول إلى جانب روسيا في معركة الامم التي اسفرت عن انتصار اوروبا على نابليون، ثم اندلعت معركة واترلو عام ١٨١٢- ١٨١٣ والتي اسفرت رسميًا عن نهاية حكم نابليون في فرنسا وعودة الحكم الملكي في فرنسا بزعامة الملك لويس الثامن عشر.
التغيير النوعي في اوروبا
يعتبر رجال التاريخ أن سنة ١٨١٥ كانت بداية التغيير النوعي في اوروبا ولكن هذا التغيير لم يكن تقدميًا وإنما كان رجعيًا بكل معنى الكلمة. اجتمعت معظم دول اوروبا في فيينا بعد القضاء على نابليون وخرجت بقرارات بالغة الأهمية على مستقبل الشعوب والانظمة في اوروبا والعالم اجمع. لقد ارتكبت هذه الدول خطأً فادحًا بحق التاريخ وبحق الإنسانية والتطور الحتمي حينما اعتقد زعماء هذه الدول أن الثورة الفرنسية والمبادئ التي نادت بها – الحرية الاخاء والمساواة – هي أفكار معادية جداً للدول وللشعوب وانها تؤدي الى خلق واقع شبيه بدكتاتورية نابليون في فرنسا، وعلى ذلك رأى معظم زعماء أوروبا أنه يجب القضاء على قوى التحرر القومي والثوري والتقدمي في العالم وبالتالي فقد تقرر في مؤتمر فيينا إعادة الأنظمة القديمة الملكية في أوروبا إلى سابق عهدها كما كانت قبل إندلاع الثورة الفرنسية. لقد خرج المؤتمرون بهذه القرارات، رغم إختلاف مصالح دولهم، بفضل التسويات الإقليمية التي تم الإتفاق عليها بين الدول العظمى. وهكذا فقد عادت أوروبا الى فترة ما يسمى بالرجعية حتى نهاية النصف الأول من القرن التاسع عشر ١٨٤٨.
وحتى نستطيع فعلاً العودة الى ما يجري اليوم في العالم العربي ، علينا أن نكمل فقط الحلقة الأخيرة من هذه الحقبة التاريخية التي ظهرت في بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر والتي اطلق عليها المؤرخون – ثورات ربيع الشعوب -( بعض التحليلات السياسية ترى بالثورات العربية على انها شبيهة اكثر بثورات ربيع الشعوب وهذا ما سنحاول فحصه في المقالة القادمة). لقد أثبتت ثورات ربيع الشعوب للقاصي والداني أنه لا يمكن إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء، وأن مبادئ الثورة الفرنسية والحريات هي حتمية تاريخية خاصةً في ظل التطور التكنولوجي وفي ظل تطور عوامل أخرى منها العامل القومي والرغبة الجامحة للشعوب على التحرر القومي وإقامة دول قومية مستقلة ذات سيادة ( ايطاليا ، المانيا ، البلقان وبولندا وشعوب اخرى )، بالإضافة إلى القوى العمالية في أوروبا التي بدأت تزداد أكثر في ظل الثورة الصناعية التي وصلت إلى مرحلة تطور كبيرة نسبيًا في تلك الفترة. كل هذه القوى التقدمية التحررية حطمت المحاولات الرجعية من خلال موجة كبيرة من الثورات الشعبية في معظم دول اوروبا. هذه الثورات ادت إلى تحطيم ميزان القوى العالمي الذي حاولت دول اوروبا الحفاظ عليه من خلال التسويات الاقليمية والأحلاف القيصرية المنهاضة للفكر القومي التقدمي الثوري الديمقراطي -إن صح الحديث- وكانت النتيجة إقامة دول ديمقراطية في بعض دول اوروبا او/و إقامة دول جديدة ذات حدود قومية مثل ايطاليا والمانيا واليونان ودول اخرى، كما ان الفكر الماركسي الشيوعي العمالي اخذ يؤثر بشكل ملموس في معظم دول اوروبا وخاصة في روسيا القيصرية التي كانت تعيش ازمات اقتصادية واجتماعية كبيرة. يعتبر القرن العشرين (بالاضافة إلى القرن التاسع عشر ) قرن القوميات اذ ان معظم الصراعات في اوروبا وفي الشرق الاوسط كانت صراعات من أجل تحرر الشعوب من الاستعمار او من الامبراطوريات المختلفة وكان هذا الصراع القومي هو السبب الأساسي في ايقاد نار الحرب العالمية الاولى عام ١٩١٤.
تويتر وغوغل
باعتقادي نجحنا هنا قدر الإمكان في سرد بعض الاحداث التاريخية على مدار قرنين من الزمن، وهذا السرد يساعد كل قارئ منّا في المشاركة في تحليل موجة الانتفاضة الشعبية في العالم العربي في بداية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرون. من الملاحظ ايضًا أن معظم الثورات في العالم اندلعت حقًا في أعقاب أزمات اقتصادية واجتماعية لكنها وبالمقابل اندلعت ايضًا في ظل تطور صناعي تكنولوجي معين ساعد العناصر الثورية في إنجاح الثورة ومما لا شك فيه أن التطور التكنولوجي الذي انعكس في هذه الثورات العربية كان ارتفاع الوعي العربي في صفوف الشباب في ظل انكشاف هذا الشباب امام كم هائل من المواقع الالكترونية والشبكات الإجتماعية الألكترونية العديدة جداً مثل الفيس بوك ، التويتر والغوغل .
لا نريد هذه المرة أن نبدأ بتحليل أحداث الثورة في العالم العربي، وإطالة الحديث في هذا الجزء ، على أمل أن نفكر مع بعضنا البعض ماذا يمكن ان نتعلم مما جرى في الثورة الفرنسية في بدايتها، وهل يمكن اعتبار الثورات ( او الثورة ) في العالم العربي شبيةً إلى حد ما بالثورة الفرنسية أم انها شبيهة بثورات ربيع الشعوب . أم انها مختلفة كل الاختلاف عنهما. في الأسبوع القادم إن شاء الله سنحاول معًا الخروج ببعض الإستنتاجات وربما التخمينات والتوقعات اتجاه ما يجري واتجاه ما قد يجري في عالمنا العربي وفي منطقة الشرق الاوسط خاصةً وعلى وجه التحديد في دولة اسرائيل طبعًا.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency