المعلم.. أساس تطور الشعوب ورقيّها

صالح نجيدات
نُشر: 25/08/26 09:07

مع اقتراب افتتاح السنة الدراسية الجديدة، أجد من واجبي أن أوجه تحية إجلال وإكبار إلى المعلمين والمعلمات، الذين يحملون رسالة من أعظم الرسالات، ويبذلون جهودا كبيرة من أجل تعليم أبنائنا وتثقيفهم وبناء شخصياتهم وإعدادهم ليكونوا رجال ونساء المستقبل. إن المعلم هو شمعة تحترق لتنير الطريق لاولادنا ، وهو الذي يزرع في عقول الأجيال العلم والمعرفة، وفي نفوسهم القيم والأخلاق وحب الوطن والإنسان. ولذلك يستحق المعلم منا كل احترام وتقدير، وأن نؤدي له حقه، لا أن نقلل من شأنه أو نتجاهل دوره.

كثيرا ما أسمع من بعض الناس كلاما فيه استهتار بالمعلمين، واتهامات لهم بأنهم سبب ضعف هذا الجيل، أو أنهم لا يهتمون إلا بقبض رواتبهم في نهاية الشهر. وأقول لكل من ينتقد المعلم بهذه الصورة: إنك لا تدرك حقيقة أهمية المعلم، ولا تدرك الدور العظيم الذي يؤديه في حياة الفرد والمجتمع . فلولا المعلم، ما كنا كما نحن، ولما وصل كثير من أبناء مجتمعنا إلى ما وصلوا إليه. فالمعلم هو حامل العلم، وناقل المعرفة، ومربي الأجيال، وهو الذي يضع اللبنات الأولى في بناء كل المهن والتخصصات. فلولا المعلم ما كان الطبيب، ولا المهندس، ولا الوزير، ولا الصحفي، ولا المدير، ولا حتى المعلم نفسه.

المعلم يخرج الأجيال، ويقدم للمجتمع رجالا ونساءً يرفع بهم المجتمع رأسه، ويعتز بما يقدمه أبناؤه من علوم وخبرات وإنجازات. وكل ما نراه من نجاحات في مختلف المجالات يقف وراءها في بدايتها معلم علّم، وربّى، ووجّه، وأشعل في نفوس طلابه حب العلم والطموح. ونحن كثيرا ما نقول: «الإنسان أغلى ما نملك». نعم، الإنسان هو أعظم ثروة لأي مجتمع ، ولكن من الذي يساهم في بناء هذا الإنسان وصقل شخصيته وإعداده للحياة؟ إنه المعلم.

إن المعلم لا يقدم للطالب معلومة فقط، بل يقدم له نموذجا وقدوة، ويعلمه كيف يفكر، وكيف يتعامل مع الآخرين، وكيف يتحمل المسؤولية، وكيف يحترم نفسه ومجتمعه. ولذلك فإن المعلم صاحب الخلق الرفيع يترك أثرا عميقا في نفوس طلابه قد يبقى معهم طوال حياتهم. وكم من طبيب أو مهندس أو عالم أو مسؤول يعود بذاكرته إلى سنوات الدراسة، فيتذكر معلماً كان له فضل كبير فيما وصل إليه. وكم من إنسان يلتقي بمعلمه بعد سنوات طويلة، فيحني رأسه احتراما وتقديرا لذلك الإنسان الذي كان له أثر في صناعة مستقبله.

وهذا هو المعلم الحقيقي؛ الإنسان الذي يعرف مكانة رسالته، ويدرك أن بين يديه أجيالا ستبني المستقبل. ولذلك قيل عن المعلم إنه شمعة تحترق لتنير الطريق امام طلابه . وهو بالفعل الأب والمربي والقدوة، وصاحب الدور الكبير في حياة أجيال بأكملها. وقد اشتهر القول: «من علمني حرفاً فقد صيرني عبداً»، والمقصود ليس العبودية الحقيقية، وإنما التعبير عن عظمة فضل المعلم ومكانة العلم. فالإنسان يشعر بالامتنان لمن فتح أمامه أبواب المعرفة، وأعانه على الوصول إلى ما لم يكن يستطيع الوصول إليه وحده.

ومع ذلك، فإن إنصاف المعلمين لا يعني أننا نغض الطرف عن وجود بعض المقصرين. فأنا لا أتحدث عن كل من يحمل اسم المعلم، وإنما أتحدث عن المعلمين الحقيقيين الذين يدركون خطورة مسؤوليتهم، ويعرفون أن على أكتافهم تقع أمانة إعداد أجيال المستقبل. هناك معلمون مخلصون يستحقون أن نفخر بهم، وهناك للأسف من لا يؤدي رسالته كما ينبغي، ولا يبذل الجهد المطلوب، ولا يدرك قيمة المهنة التي يمارسها. والمعلم الذي لا يقدم لأبنائنا شيئاً، ولا يهتم بتطوير نفسه، ولا يبالي بمصلحة طلابه، لا يسيء إلى نفسه فقط، بل يسيء إلى مهنة من أشرف المهن.

فالتعليم ليس وظيفة للحصول على راتب في نهاية الشهر فحسب، وإنما هو رسالة وأمانة ومسؤولية. والمعلم الذي يحب مهنته لا يقيس نجاحه بحجم ما يتقاضاه، بل بما يتركه من أثر في نفوس طلابه، وبما يراه بعد سنوات من نجاح أبنائه وتفوقهم. وفي هذه المناسبة، ومع اقتراب بداية عام دراسي جديد، أقول لمعلمينا ومعلماتنا: نحن نقدر جهودكم، ونحترم رسالتكم، ونعرف أن مهمتكم ليست سهلة. أمامكم أجيال تحتاج إلى العلم، ولكنها تحتاج أيضا إلى الصبر، والحوار، والتوجيه، والقدوة الحسنة.

وأقول لأولياء الأمور: لا تجعلوا أبناءكم يفقدون احترامهم لمعلميهم. علّموهم أن الاختلاف مع المعلم لا يعني إهانته، وأن نقد الأخطاء لا يعني الانتقاص من مكانة المعلم. فإذا أردنا جيلا يحترم العلم وأهله، فعلينا أولا أن نغرس في نفوسهم احترام المعلم. وأقول لمعلمينا ومعلماتنا: حافظوا على شرف هذه المهنة، وطوّروا أنفسكم، وكونوا قدوة لطلابكم، واعلموا أن كلمة منكم قد تغير حياة طالب، وأن موقفا إنسانياً منكم قد يبقى في ذاكرته عشرات السنين.

إن الأمم لا تبني مستقبلها بالمال وحده، ولا بالمباني والمشاريع فقط، وإنما تبنيه بالإنسان. والإنسان لا يُبنى بناءً صحيحا إلا بالعلم والتربية والأخلاق، وهذه كلها تبدأ من المدرسة، ومن المعلم الذي يقف في مقدمة الصف ليصنع أجيال الغد. وفي بداية السنة الدراسية، أجدد تحيتي لكل معلم ومعلمة مخلصين، وأقول لهم: أدّوا للمعلم حقه، لأنه صاحب فضل في صناعة كل نجاح نراه من حولنا. واحترموا المعلم، لأنه لا يبني فردا واحدا فقط، بل يساهم في بناء مجتمع ن ومستقبل اجياله.

رحم الله كل معلم أخلص في رسالته، وبارك الله في كل معلمة أعطت من قلبها وعلمها لأبنائنا، وجعل الله عامنا الدراسي الجديد عام خير وسلام , عاما للعلم والنجاح والأخلاق، وعاما نقدر فيه المعلم حق قدره، لأنه بحق أحد أهم أسباب تطور الشعوب ورقيها.

 المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com     

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة