سليمان منصور… حين يضع حاملو البلاد أحمالهم الأخيرة

رانية مرجية
نُشر: 24/08/26 23:49

ثمة أناسٌ حين يرحلون، لا يغيبون وحدهم؛
يغيب معهم شيءٌ من روح المكان، وشيءٌ من ذاكرته، وشيءٌ من اللغة التي كان المكان يتحدث بها.

اليوم، برحيل سليمان منصور، لا نودّع فنانًا فلسطينيًا كبيرًا فحسب؛ نودّع رجلًا أمضى عمره وهو يحرس صورة فلسطين من الغياب.

كان يرسمها كما لو أنه يعرف أن الوطن لا يُنتزع من الأرض دفعةً واحدة، بل يُنتزع أيضًا من الذاكرة؛ حين تتعب العيون من النظر إليه، وحين تنقطع الصلة بين الإنسان ومكانه، وحين تتحول البيوت التي كانت عامرةً بالناس إلى أسماء في كتب التاريخ.

لذلك ظل يرسم.

لا ليجمّل المأساة، ولا ليحوّل فلسطين إلى شعار، بل ليقول ببساطة عميقة:

كانت هنا حياة.
وهنا ناس.
وهنا وطن.

ومنذ «جمل المحامل» لم تعد القدس في الوجدان الذي صنعته أعماله مجرد مدينة؛ صارت حملًا.

مدينةٌ على ظهر رجل، ورجلٌ تحت ثقل مدينة.

لكن ذلك الظهر المنحني لم يكن علامة ضعف.

كان انحناءَ من يحمل ما يحب.

وكان ذلك، في جوهره، واحدًا من أصدق تعريفات التجربة الفلسطينية: أن يثقل الوطن على الكتفين، من دون أن يسقط من القلب.

لهذا بقيت اللوحة.

لأنها لم تكن عن رجلٍ واحد، بل عن شعبٍ كامل يحمل ذاكرته، ومفاتيحه، وبيوته، وأسماء غائبيه، وأشجاره، وحقه في أن يقول:

أنا هنا.

لم يكن سليمان منصور يرسم فلسطين من خارجها.

كان يرسمها من داخلها؛ من ترابها، وزيتونها، وقراها، ونسائها، ووجوه ناسها، ومن القدس التي ظلت حاضرةً في تجربته الفنية والوجدانية.

ولعل هذا ما منح أعماله قدرتها النادرة على أن تكون جميلةً من دون أن تنفصل عن الألم.

فالجمال عنده لم يكن هروبًا من الواقع؛ كان طريقةً لمقاومته.

وحين استخدم الطين ومواد من البيئة الفلسطينية، بدا كأنه يعيد المادة إلى أصلها.

كان يرسم الأرض بالأرض.

وكأن اللوحة تقول:

إذا كان المكان مهددًا بالمحو، فليكن ترابه شاهدًا عليه.

هنا يتجاوز سليمان منصور حدود الفنان إلى معنى أعمق:

حارس الذاكرة.

فالاحتلال يستطيع أن يهدم بيتًا، لكن ماذا يفعل بصورة البيت حين تستقر في الوجدان؟

يستطيع أن يقتلع شجرة، لكن ماذا يفعل بجذورها حين تصبح رمزًا؟

يستطيع أن يغيّر أسماء الأماكن، لكن ماذا يفعل باسمٍ حفظته أمٌّ لطفلها؟

لهذا كان الفن عند سليمان أكثر من ممارسة جمالية.

كان فعل استعادة.

استعادةً لما يُراد له أن يضيع.

وربما لهذا لا ينبغي أن تختصره «جمل المحامل»، رغم أنها أشهر صوره وأشدها رسوخًا في الوجدان الفلسطيني.

كان أكبر من لوحة.

كان جزءًا من جيلٍ أدرك أن الفن الفلسطيني لا يستطيع أن يعيش منفصلًا عن سؤال الأرض والهوية والوجود.

ساهم في بناء الحركة التشكيلية الفلسطينية، وكان من مؤسسي رابطة الفنانين التشكيليين الفلسطينيين، وترك أثرًا في أجيالٍ جاءت بعده.

وهذه، في النهاية، إحدى علامات الفنان الحقيقي:

أن لا يترك وراءه أعمالًا فقط،
بل يترك طريقًا.

واليوم، وأنا أفكر في رحيله، تعود إليّ صورة «جمل المحامل» بصورةٍ مختلفة.

الرجل الذي يحمل القدس على ظهره يبدو لي الآن أقرب إلى سليمان نفسه.

فهو أيضًا حمل.

حمل فلسطين في اللون، وفي الطين، وفي الذاكرة.

حمل قريته وناسه ومرجعياته الأولى.

وحمل مسؤولية أن يترك للأجيال صورةً لا يستطيع النسيان أن يمحوها.

ثم مضى.

كأن اللوحة كانت، منذ البداية، تعرف شيئًا لم نكن نعرفه نحن.

كأن سليمان ترك فيها وصيته:

إن الحمل لا يبقى على كتفٍ واحدة.

ينتقل.

من جيلٍ إلى جيل.

من يدٍ إلى يد.

من فنانٍ إلى فنان.

ومن ذاكرةٍ إلى ذاكرة.

يا سليمان،

كنت تعرف أن الفنان لا يملك وطنه.

الوطن هو الذي يسكنه.

ولهذا لم تكن فلسطين موضوعك؛ كانت مقامك.

كلما رسمتها، كنت تعيد إليها شيئًا من حضورها.

وكلما رسمت امرأةً فلسطينية، أو زيتونةً، أو قريةً، أو بيتًا، كنت تقول إن هذه الأشياء الصغيرة التي قد تبدو عاديةً في الحياة هي، في لحظة الفقد، جوهر الوطن كله.

لقد أعطيت الأشياء أسماءها مرةً أخرى.

أعدت للتراب ذاكرته.

وللزيتون دلالته.

وللقدس حضورها.

وللفلسطيني صورته.

وهذه ليست مهمة فنانٍ عابر.

هذه مهمة من يعرف أن الذاكرة قد تكون آخر حدود الوطن.

رحلتَ اليوم يا سليمان.

وسيكتبون عن تاريخك، وعن لوحاتك، وعن معارضك، وعن حضورك الطويل في المشهد التشكيلي الفلسطيني.

وكل ذلك يستحق أن يُكتب.

لكنني أخشى أن تضيع الحقيقة الأهم وسط التفاصيل:

أنك أمضيت معظم عمرك في مقاومة أن تُصبح فلسطين ذكرى.

ولهذا سيبقى رحيلك موجعًا.

لأن الذين يحمون الذاكرة لا يتركون وراءهم غيابًا فقط؛ يتركون أثرًا.

وأثرك ليس على جدارٍ واحد.

إنه في عين كل من رأى «جمل المحامل» وعرف، من دون شرح، أن ذلك الرجل يحمل أكثر من مدينة.

وفي يد كل فنانٍ شاب تعلّم أن الفن يمكن أن يكون جمالًا وذاكرةً وموقفًا في الوقت نفسه.

وفي قلب كل فلسطيني وجد في أعمالك شيئًا من بيته، حتى حين لم يعد البيت موجودًا.

ولعل أجمل ما يمكن أن نقوله لك الآن ليس «وداعًا».

فـ«وداعًا» كلمةٌ صغيرة على رجلٍ أمضى عمره في مقاومة الغياب.

سنقول:

شكرًا لأنك حملت.

حملتَ حين كان الحمل ثقيلًا.

وحين كان العالم يريد لفلسطين أن تُرى كخبرٍ عابر، جعلتها صورةً لا يمكن للعين أن تنساها.

وحين كان المحو يعمل بصمت، عملتَ أنت أيضًا بصمت، لكن في الاتجاه الآخر.

هو يمحو.

وأنت تثبّت.

هو يقتلع.

وأنت تجذّر.

هو يحاول أن يجعل المكان ماضيًا.

وأنت تعيده حاضرًا.

حتى صار الفن عندك شكلًا من أشكال الشهادة.

رحمك الله يا سليمان منصور.

يا من لم ترسم فلسطين فقط، بل حفظت لها مكانًا في الذاكرة.

يا من جعلت من اللون شهادة، ومن الطين ذاكرة، ومن الزيتونة سيرة، ومن القدس حملًا لا يسقط.

رحم الله اليد التي رسمت، والعين التي رأت ما وراء الأشياء، والقلب الذي عرف أن الوطن ليس خارطةً فحسب، بل ما يتركه المكان في الإنسان حين يصبح جزءًا منه.

نم الآن.

لقد وضعتَ حملك الأخير.

أما القدس التي حملتها، فلن تنزل من لوحتك.

وأما فلسطين التي حملتها في قلبك، فقد سلّمتها إلينا.

سنحملها.

نتعب، نعم.

ننحني، ربما.

لكننا لن نترك الحبل.

لأنك علمتنا، دون خطبٍ طويلة، أن الانحناء من ثقل ما نحب ليس انكسارًا.

وأن بعض الأحمال لا تُحمل بالقوة وحدها،
بل بالوفاء.

رحلتَ يا سليمان،
لكن الرجل الذي حمل القدس لن يرحل.

سيظل يمشي.

وسيبقى يمشي.

كلما حاول النسيان أن يطوي البلاد،
وكلما احتاجت فلسطين إلى من يذكّر العالم بأنها كانت هنا، وما زالت هنا.

وفي كل مرةٍ ننظر إليه، سنتذكرك.

لا لأنك رسمت الرجل.

بل لأنك كنت، طوال حياتك،
واحدًا من حاملي البلاد.

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة