سعيد الخرومي… خمس سنوات على الغياب، وما زال الطريق حاضرًا

كامل ريان
نُشر: 24/08/26 21:40

د. كامل ريان
رئيس مركز امان

في الذكرى الخامسة لرحيل صديقي وأخي العزيز النائب سعيد الخرومي، أشعر أن بعض الغياب لا يصبح غيابًا مهما مرّ عليه الزمن؛ لأن صاحبه ترك وراءه من الأثر ما يجعله حاضرًا في الذاكرة، وفي المواقف، وفي الطريق الذي اختاره لنفسه ومضى فيه حتى النهاية.
أتذكر سعيد في إحدى رحلاتنا إلى البرلمان الإسباني في ولاية أندلوسيا كان يمكن للمرء أن يكتشف الإنسان الحقيقي بعيدًا عن المكاتب والمنابر. رأيت فيه يومها دماثة الخلق، والتواضع، والمرونة، والجدية، وحسن التعامل مع الجميع. كان هادئًا بطبيعته، قريبًا من الناس، لا يتصنع مكانة ولا يتعامل مع موقعه كامتياز، بل كمسؤولية.

واللافت أن القضية لم تكن تغادره حتى وهو بعيد عن الوطن. كانت هواتفه تلاحقه في إسبانيا، واتصالات الأهل لا تتوقف، وكل واحد يحمل إليه قضية أو مطلبًا أو مشكلة. وأتذكر كيف كان يتابع بإصرار موضوع الاعتراف بالقرى الثلاث غير المعترف بها، وكأن المسافة بين النقب واندلوسيا  لم تكن موجودة. كان سعيد يحمل همّ أهله معه أينما ذهب، لأن خدمة الناس عنده لم تكن وظيفة تبدأ وتنتهي بساعات العمل.
كان سعيد نموذجًا في حسن الجندية وحسن القيادة في آن واحد. يعرف متى يكون جنديًا في الميدان، ومتى يكون قائدًا يتقدم الصفوف. لم يكن من أولئك الذين يكتفون بوصف المشكلة أو إصدار البيانات؛ كان يذهب إلى حيث توجد المشكلة، ويقف مع الناس حيث يحتاجون إليه.
حتى عندما كان يغضب، كان لأخلاقه حضورها. لم يكن الغضب عنده بابًا للإساءة أو التجريح، بل كان غضبًا على التقصير والظلم، وسرعان ما يعود إلى هدوئه. وفي فرحه كان سعيد هو نفسه سعيد الذي عرفناه: بسيطًا، عفويًا، متواضعًا، يفرح لفرح الناس أكثر مما يفرح لنفسه.

ومن أكثر ما أذكره فيه صبره وقدرته على كظم الغيظ. كان يعرف أن الطريق الذي اختاره ليس طريقًا سهلًا، وأن خدمة الناس تعني أحيانًا أن تسمع ما لا تحب، وأن تتحمل ما لا تستحق، وأن تواصل العمل حتى عندما لا تجد من يصفق لك. لكنه كان يؤمن أن قيمة العمل ليست في التصفيق، وإنما في الأثر الذي يتركه.

رحل سعيد، لكن السؤال الذي تركه لنا ليس: كيف نرثيه؟ بل: كيف نكمل الطريق الذي سار فيه؟
إرث سعيد الحقيقي ليس مقعدًا نيابيًا ولا منصبًا ولا صورة معلقة على جدار. إرثه هو الإنسان الذي خدمه، والقرية التي دافع عنها، والقضية التي حملها، والموقف الذي لم يتخلَّ عنه، والأخلاق التي ظل متمسكًا بها وهو في قلب العمل العام.
وفي ذكرى رحيله، ربما تكون أفضل طريقة للوفاء لسعيد الخرومي ألا نكثر من الحديث عنه، بل أن نكثر من العمل الذي كان يؤمن به.
نحن بحاجة إلى أن نعود إلى خطوط التماس؛ إلى الناس، إلى القرى، إلى البيوت، إلى المظلومين، إلى القضايا التي لا تجد من يحملها. نحتاج إلى من ينزل من خلف التلال، ويقترب من الناس، ويسمع وجعهم، ويحمل قضاياهم، ويتابعها حتى النهاية.
رحم الله سعيد الخرومي، الصديق والأخ والزميل والنائب والإنسان.
خمس سنوات مرت على رحيله، لكن بعض الرجال لا يغيبون؛ لأنهم لا يتركون وراءهم فراغًا فقط، بل يتركون طريقًا.

والوفاء الحقيقي لسعيد أن نمشي في هذا الطريق ،عملًا لا شعارات، وميدانًا لا منابر، وخدمةً للناس لا بحثًا عن الأضواء.
رحمك الله يا سعيد، وجعل ما قدمت لأهلك ووطنك في ميزان حسناتك، وجمعنا بك في رحمته حيث لا فراق.

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة