بعد شدّ وجذب في المفاوضات.. القائمة المشتركة تستعيد وحدتها/ بقلم: خالد خليفة

خالد خليفة
نُشر: 22/08/26 13:52

لم تعد أزمة تشكيل القائمة الثلاثية بين الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، والتجمع الوطني الديمقراطي، والحركة العربية للتغيير مجرد خلاف عابر حول ترتيب المقاعد أو تباين في الحسابات الحزبية. لقد تحولت المفاوضات خلال الفترة الأخيرة إلى اختبار حقيقي لقدرة الأحزاب العربية على تقديم المصلحة العامة على الاعتبارات الحزبية، وعلى تحويل الخلافات الطبيعية بين القوى السياسية إلى توافق يخدم الناخب العربي ويحافظ على قوة التمثيل العربي في الكنيست.

وقد جاء قرار الحركة العربية للتغيير، بعد مفاوضات مع الجبهة والتجمع، بالموافقة على قرارات لجنة الوفاق، وقبولها الحصول على المقعدين الثاني والتاسع في القائمة المشتركة، ليضع حدًا لخلاف كان يهدد بإفشال المسعى الوحدوي برمته. وبغض النظر عن التأخير الذي رافق قبول القرار، فإن النتيجة النهائية يجب أن تُقرأ بإيجابية، لأنها أعادت الحركة العربية للتغيير إلى صفوف القائمة المشتركة، وأبقت الباب مفتوحًا أمام مشروع سياسي واسع يستطيع أن يخوض المعركة الانتخابية بقدرة أكبر على التأثير.

ويمكن الجزم أن الطريق إلى هذه الموافقة لم يكن سهلًا. فقد تمسكت الحركة العربية للتغيير في البداية بمطالبها، واعتبرت أن حضور رئيسها أحمد الطيبي وخبرته البرلمانية الطويلة وحضور الحركة السياسي يمنحانها حقًا في موقع متقدم. وكان من الطبيعي أن تدافع الحركة عن مصالحها وعن موقعها السياسي، كما كان من حق الجبهة والتجمع التمسك بقرار لجنة الوفاق بعد الاحتكام إليها وقبولها كمرجعية لحسم الخلاف.

لكن السياسة لا تُقاس فقط بمدى قدرة الحزب على تحقيق مطالبه التفاوضية، وإنما أيضًا بقدرته على معرفة اللحظة التي يصبح فيها الحفاظ على المشروع المشترك أهم من الاستمرار في التفاوض. وفي النهاية أدركت الحركة العربية للتغيير أن الخيارات البديلة لها ليست سهلة، وأن إقامة تحالفات أخرى لا تبدو أمرًا مضمونًا أو بسيطًا، الأمر الذي جعل العودة إلى القائمة المشتركة الخيار الأكثر واقعية والأكثر خدمة لمصالحها ومصالح جمهورها.

ومن هذه الزاوية، فإن قرار الحركة بالانضمام إلى القائمة المشتركة يستحق الترحيب. فهو قبل كل شيء قرار يعيدها إلى صفوف العمل الوحدوي، ويمنح الأحزاب الثلاثة فرصة للانتقال من مرحلة الخلاف حول المقاعد إلى مرحلة العمل من أجل الناخب والمجتمع العربي.

ومع ذلك، فإن الطريقة التي رافقت قبول القرار تترك مجالًا للملاحظة السياسية. فقد كان من المفترض أن تكون لجنة الوفاق، بقيادة الكاتب محمد علي طه، موضع تقدير واضح من جميع الأطراف، لأنها قبلت مهمة صعبة وحاولت الوصول إلى صيغة توافقية بين مركبات سياسية مختلفة. وكان من الأفضل أن يُوجَّه الشكر والتقدير إلى اللجنة ورئيسها بصورة مباشرة وواضحة، بدلًا من أن يترك الانطباع بأن التقدير ينصب أساسًا على أعضاء انسحبوا من اللجنة.

فاللجان التوافقية لا تنجح إلا عندما تحافظ الأطراف السياسية على احترام المرجعية التي اختارتها بنفسها. ومن المهم هنا الفصل بين الاعتراض على بعض تفاصيل القرار وبين احترام الجهد الذي بذلته اللجنة. يمكن لأي طرف أن يرى أن قرار اللجنة لم يكن مثاليًا أو أنه لم يحقق كل مطالبه، لكن ذلك لا يلغي ضرورة الاعتراف بالدور الذي قامت به اللجنة في محاولة تقريب وجهات النظر وإنهاء الخلاف.

ومع ذلك، فإن هذه الملاحظة يجب ألا تطغى على الأهم، وهو أن الحركة العربية للتغيير اتخذت في النهاية قرارًا سياسيًا جيدًا بالعودة إلى القائمة المشتركة. فالخلافات يمكن تجاوزها، والمواقف المتباينة ويمكن احتواؤها، أما الانقسام الانتخابي فيمكن أن تكون له نتائج يصعب إصلاحها بعد انتهاء الانتخابات.

ويجب أن تكون المرحلة المقبلة مختلفة تمامًا بحيث لم يعد من المفيد استمرار النقاش حول ما حدث في المفاوضات أو من انتصر ومن تراجع. انتهى التفاوض، وحُسمت المواقع، وأصبح أمام الأطراف الثلاثة استحقاق أكبر بكثير: كيف يحولون الاتفاق إلى مشروع انتخابي ناجح؟

وهنا تقع مسؤولية خاصة على الحركة العربية للتغيير. فالعودة إلى القائمة المشتركة لا ينبغي أن تكون مجرد توقيع على اتفاق انتخابي، بل يجب أن تكون عودة كاملة إلى صفوف العمل المشترك، بروح جديدة تقوم على التعاون والثقة وتجاوز آثار المرحلة السابقة. وعلى الحركة أن تركز جهودها الآن على بناء الشراكة مع الجبهة والتجمع، وأن تتعامل مع القائمة باعتبارها مشروعًا جماعيًا، لا مجرد ترتيب انتخابي يضمن لكل طرف عددًا من المقاعد.

وفي المقابل، تقع مسؤولية مماثلة على الجبهة والتجمع. فقبول الحركة بقرار لجنة الوفاق ينبغي أن يقابله تعامل معها كشريك كامل في القائمة، لا كطرف اضطر إلى قبول صيغة لم يكن راضيًا عنها في البداية. الوحدة الحقيقية لا تُبنى فقط على توقيع الاتفاق، وإنما على الثقة المتبادلة، وعلى قدرة الأطراف على إدارة الاختلافات بعد الاتفاق كما أدارت خلافاتها قبله.

اما التحديات أمام القائمة المشتركة فهي كثيرة فالمجتمع العربي يواجه أزمات متراكمة تتعلق بالعنف والجريمة، والأرض والمسكن، والسلطات المحلية، والميزانيات، والتعليم، والعمل، والمساواة، إلى جانب التحديات السياسية الكبرى التي تفرضها الحكومة اليمينية وسياساتها. وهذه القضايا أكبر بكثير من أن يحتكرها حزب واحد أو أن تواجهها قوة سياسية منفردة.

لذلك فإن المهمة الأساسية للقائمة الآن هي استعادة ثقة الناخب العربي. وهذه الثقة لن تُستعاد بالشعارات وحدها، بل من خلال خطاب سياسي واضح، وحملة انتخابية منظمة، ورسالة موحدة، وحضور ميداني حقيقي، وقدرة على الوصول إلى الشباب وإقناع المترددين بأن التصويت للقائمة يمكن أن يحدث فرقًا حقيقيًا.

لقد أثبتت التجارب السابقة أن الوحدة العربية يمكن أن تمنح التمثيل العربي قوة أكبر وتأثيرًا أوسع. كما أثبتت تجارب الانقسام أن الخلافات الداخلية قد تتحول إلى خسارة جماعية لا يستفيد منها أحد. ولذلك فإن نجاح القائمة المشتركة لن يتحدد فقط بعدد المقاعد التي يحصل عليها كل مركب، وإنما بقدرتها على زيادة نسبة التصويت العربي وتحويل الأصوات إلى قوة سياسية مؤثرة.
فالخلاف انتهى، والمقاعد حُسمت، والآن تبدأ المعركة الحقيقية: معركة العمل 

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة