ما يجري في الضفة الغربية ليس انفلاتاً ولا غياب حكم، بل هو شكل من الفوضى المنظمة التي تُدار بوعي كامل، وتُطبَّق فيها القوانين بشكل انتقائي وفق الهوية القومية لمن يخضع لها. فالحكم حاضر بقوة، لكنه لا يعمل وفق معايير موحّدة، بل وفق سياسة تُنتج واقعاً غير متكافئ بين الفلسطينيين والمستوطنين، وتُعيد إنتاج السيطرة الإسرائيلية على الأرض والمقدرات الفلسطينية بشكل متواصل.
على مدى ما يقارب ثلاثة عقود، منعت إسرائيل بشكل شبه كامل التخطيط والبناء الفلسطيني في مناطق C، رغم أن نحو 52% من هذه المناطق هي ملكيات فلسطينية خاصة، بينما تُخصَّص “أراضي الدولة” تقريباً حصرياً للتوسع الاستيطاني. وحين تُغلق الدولة كل الأبواب القانونية أمام البناء الفلسطيني، فهي لا تستطيع الادعاء بأن البناء غير المرخّص ظهر من فراغ؛ إنها هي التي صنعت الأزمة، ثم حولت نتائجها إلى مخالفة قانونية. وفي ظل غياب أي أفق سياسي، ومع استمرار فرض الوقائع الإسرائيلية على الأرض، يلجأ الفلسطينيون بدورهم إلى فرض وقائع وفق قدرتهم المحدودة.
هذا الواقع ليس مجرد خلل إداري، بل هو جزء من استراتيجية الاحتلال الزاحف التي تهدف إلى الاستيلاء التدريجي على الأرض الفلسطينية، وتفريغها من إمكانيات التطور، ومنع الشعب الفلسطيني من التحرر من براثن الاحتلال. فالسياسة القائمة لا تكتفي بمنع الفلسطينيين من البناء، بل تسعى إلى خلق بيئة خانقة تُحوِّل كل محاولة للحياة الطبيعية إلى “مخالفة”، بينما تُفتح الأبواب واسعة أمام التوسع الاستيطاني، بما يشمل البؤر غير القانونية التي تُقام أحياناً في مناطق تخضع رسمياً للولاية الفلسطينية.
في الأشهر الأخيرة، صدرت تقارير دولية تؤكد هذا الواقع. ففي تقرير حديث لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في كانون الأول/ديسمبر 2024، ورد أن إسرائيل رفضت أكثر من 98% من طلبات البناء الفلسطينية في مناطق C، وأن عمليات الهدم ارتفعت بنسبة 35% مقارنة بالعام السابق، بينما شهدت المستوطنات توسعاً متسارعاً، بما في ذلك إقامة بؤر جديدة دون أي إجراءات قانونية. هذه المعطيات منشورة في تقارير الأمم المتحدة.
كما أكد الاتحاد الأوروبي في بيان شباط/فبراير 2025 أن سياسة إسرائيل في مناطق C تُعدّ “تمييزية وغير متكافئة”، وأن البؤر الاستيطانية الجديدة تُقوّض أي إمكانية لحل سياسي، خصوصاً تلك التي تُقام داخل مناطق B الخاضعة للولاية الفلسطينية. يمكن مراجعة ذلك في موقف الاتحاد الأوروبي.
وفي تحديثها السنوي لعام 2025، أشارت منظمة هيومن رايتس ووتش إلى استمرار “نظام التمييز الممنهج” في الضفة، موثّقةً امتناع السلطات الإسرائيلية عن تطبيق القانون على المستوطنين في معظم حالات الاعتداء على الأراضي، مقابل تطبيق صارم على الفلسطينيين. التفاصيل منشورة في تقرير هيومن رايتس ووتش.
أما منظمة بتسيلم الإسرائيلية، فقد وثّقت في تقرير كانون الثاني/يناير 2026 إقامة 27 بؤرة استيطانية جديدة خلال عام 2025 وحده، بعضها في مناطق B، مع توفير بنى تحتية لهذه البؤر رغم كونها غير قانونية، بينما تُنفَّذ عمليات هدم واسعة ضد الفلسطينيين. هذه المعطيات منشورة في تقارير بتسيلم.
في المقابل، تُقام عشرات البؤر الاستيطانية والمزارع الإسرائيلية غير القانونية، بعضها في مناطق تخضع رسمياً للولاية الفلسطينية. هذه البؤر ليست نتاج أزمة إسكان، فإسرائيل صادقت في المستوطنات القائمة على خطط لعشرات آلاف الوحدات السكنية. الهدف الحقيقي هو توسيع السيطرة الإسرائيلية وخلق وقائع جديدة، في خرق مباشر للقانون وللاتفاقيات، وبما ينسجم مع استراتيجية الاحتلال الزاحف التي تسعى إلى تحويل السيطرة المؤقتة إلى واقع دائم.
قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي مُلزَم نظرياً بفرض القانون على جميع السكان، لكن الواقع يُظهر أن طرفاً واحداً يُدفَع نحو البناء غير القانوني لأنه مُنع من البناء القانوني أو لأنه بلا أفق سياسي، بينما الطرف الآخر ينتهك القانون بهدف السيطرة على الأرض. هذه ليست فوضى عشوائية، بل فوضى منظمة: الحكم موجود، لكنه يطبّق القانون وفق الهوية القومية لمن يخالفه، وبما يخدم مشروعاً سياسياً طويل الأمد.
ليست هذه إدارة فاشلة، بل سياسة ناجحة تماماً في تحقيق هدفها: خلق واقع غير قابل للعكس يمنع أي إمكانية مستقبلية للفصل بين الشعبين، ويُبقي الشعب الفلسطيني أسيراً لواقع الاحتلال الزاحف الذي يلتهم الأرض والمقدرات ويمنع التحرر.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency