ترامب يصعّد الحرب الاقتصادية على إيران.. حصار وعقوبات لاستنزاف الاقتصاد وإسقاط النظام


نُشر: 21/08/26 08:05

هددت واشنطن بعقوبات "غير مسبوقة" على إيران وعلى كل دولة توفر لها شريانًا اقتصاديًا، فيما تتجه الأنظار إلى الصين ودول الخليج. وبينما يراهن ترامب على أن الضغوط ستجبر طهران على تقديم تنازلات، تتحول إيران إلى "اقتصاد بقاء" لمواجهة الأزمة، وسط تضخم يقترب من 80% وانكماش متوقع للاقتصاد، وتحذيرات من أن الضغط الاقتصادي قد يدفع النظام إلى التصعيد بدلًا من الاستسلام.

صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حملته الاقتصادية ضد إيران، متعهدًا بفرض إجراءات وصفها بأنها "غير مسبوقة"، في محاولة لخنق الاقتصاد الإيراني وقطع مصادر تمويل النظام ودفعه إلى تقديم تنازلات.

وفي أحدث تصريحاته، أعلن ترامب ما وصفه بـ"D-Day" اقتصادي ضد إيران، مهددًا ليس فقط طهران، وإنما أيضًا أي دولة أو مؤسسة مالية أو شركة أو ميناء أو جهة حكومية توفر لها ما سماه "أي نوع من شريان الحياة".

وتأتي هذه التهديدات في وقت تفرض فيه الولايات المتحدة أصلًا ضغوطًا اقتصادية وبحرية واسعة على إيران، بينما تشير تقديرات وتقارير إلى أن الاقتصاد الإيراني بات في واحدة من أصعب مراحله منذ سنوات.

الهدف الأمريكي: خنق الاقتصاد وإسقاط النظام

قال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إن الإجراءات الاقتصادية الجديدة التي تستعد إدارة ترامب للإعلان عن تفاصيلها تهدف في نهاية المطاف إلى إسقاط النظام الإيراني.

وأوضح بيسنت أن واشنطن ستستخدم ما وصفه بـ**«أشد العقوبات في التاريخ»**، إلى جانب الحصار المفروض على إيران.

وقال في مقابلة تلفزيونية: «لدينا الحصار، وستكون لدينا أشد العقوبات في التاريخ. سنُسقط هذا النظام»، مضيفًا في موضع آخر: «هذا سينجح، وسنسقط هذا النظام».

ومن المقرر، بحسب بيسنت، الكشف عن تفاصيل الإجراءات الجديدة خلال مؤتمر صحفي يوم الاثنين.

وتتضمن الخطة، وفق التصريحات الأمريكية، فرض عقوبات على الدول التي تواصل التعامل التجاري مع إيران، بما في ذلك عمليات شراء النفط وتحويل الأموال والأنشطة المالية والتجارية المرتبطة بها.

ترامب للدول المتعاملة مع إيران: "إما معنا أو ضدنا"

تسعى واشنطن إلى توسيع نطاق العقوبات بحيث لا تقتصر على إيران نفسها، بل تطال الجهات والدول التي تساعدها على الالتفاف على العقوبات.

وقال بيسنت إن الرسالة الأمريكية إلى الحلفاء واضحة: "إما أن تكونوا معنا أو ضدنا".

وهدد بأن الولايات المتحدة ستستخدم كامل قوتها الاقتصادية ضد الدول التي تواصل التعامل مع إيران، سواء من خلال تحويل الأموال أو شراء النفط أو عمليات النقل بين السفن.

أما ترامب، فهدد بأن الدول التي تسمح لمؤسساتها المالية أو شركاتها أو مطاراتها أو أجهزتها الحكومية بتوفير أي نوع من الدعم الاقتصادي لإيران ستواجه "عواقب اقتصادية هائلة".

وتشمل الأنشطة التي تستهدفها واشنطن تهريب النفط، وتحويل الأموال، وشركات الصرافة، وتسجيل السفن، والشركات الوهمية وغيرها من القنوات التي تستخدمها إيران للحفاظ على تجارتها الخارجية.

الصين.. الحلقة الأهم في شريان النفط الإيراني

تُعد الصين إحدى أهم أوراق الحرب الاقتصادية الأمريكية على إيران، إذ تستوعب نحو 80% من النفط الذي تصدره طهران.

ولهذا السبب، قد تتجه واشنطن إلى استهداف المصافي الصينية التي تشتري النفط الإيراني، أو فرض عقوبات على البنوك الصينية التي تمر عبر أنظمتها أموال مرتبطة بإيران.

وكانت وزارة الخزانة الأمريكية قد وجهت تحذيرات بالفعل إلى مصرفين صينيين.

لكن استهداف الصين يحمل مخاطرة كبيرة بالنسبة إلى واشنطن، إذ قد يؤدي إلى اندلاع مواجهة اقتصادية أوسع بين أكبر اقتصادين في العالم، في وقت تقترب فيه انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، وقبل لقاء مرتقب بين ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ الشهر المقبل.

كما أن الصين ترتبط بعلاقات وثيقة مع إيران، ما يجعل قدرتها على مواصلة شراء النفط الإيراني عاملًا حاسمًا في قدرة طهران على الصمود أمام العقوبات.

الخليج.. جبهة اقتصادية جديدة ضد طهران

لا تقتصر الخيارات الأمريكية على الصين، إذ تستطيع واشنطن الضغط على دول الخليج لقطع أو تقليص علاقاتها الاقتصادية مع إيران.

وفي هذا السياق، أعلنت الإمارات العربية المتحدة مؤخرًا فرض حظر كامل على التجارة والمعاملات مع إيران، في خطوة قد تكون ذات تأثير كبير على الاقتصاد الإيراني.

وتتمتع الإمارات بأهمية استثنائية بالنسبة إلى طهران، إذ كانت في عام 2024 مصدرًا لنحو ثلث واردات إيران، وفق ما أوردته «نيويورك تايمز».

وتشمل هذه الواردات منتجات إلكترونية أساسية ومعادن ثمينة وسلعًا استهلاكية، فيما تعد الإمارات أيضًا من الأسواق الرئيسية للصادرات الإيرانية، بما فيها المواد الغذائية والسلع الأساسية.

كما تحولت دبي على مدار السنوات الماضية إلى مركز مهم للأنشطة التجارية الإيرانية والجهود الرامية إلى الالتفاف على العقوبات الدولية.

وترى بعض التقديرات أن توسيع العزلة الاقتصادية لإيران في الخليج قد يكون أكثر تأثيرًا من بعض العقوبات الأمريكية المباشرة، في حين يرى خبراء آخرون أن قدرة دول الخليج على إلحاق ضرر إضافي كبير بالاقتصاد الإيراني تظل محدودة.

النفط.. شريان الحياة الذي تحاول واشنطن قطعه

في موازاة ذلك، تستهدف الضغوط الأمريكية أهم مصدر دخل لإيران: النفط.

وتشير تقارير إلى أن الحصار البحري الأمريكي أدى إلى تراجع حاد في صادرات النفط الإيرانية.

وبحسب تحليل صور الأقمار الصناعية، لم تسجل خلال أسبوع عمليات تحميل لناقلات نفط في جزيرة خارك، وهي محطة التصدير الرئيسية التي يمر عبرها نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية.

كما تشير صور الأقمار الصناعية إلى أن طهران بدأت تخفض إنتاج النفط في بعض حقولها، في محاولة لتجنب امتلاء منشآت التخزين في ظل صعوبة تصدير الخام.

وتُعد عائدات النفط المصدر الأساسي لإيرادات الحكومة الإيرانية، وبالتالي فإن استمرار تعطيل الصادرات يضع النظام أمام أزمة مالية متزايدة، تشمل صعوبة تمويل النفقات الحكومية ودفع رواتب الأجهزة الأمنية.

الاقتصاد الإيراني يتحول إلى "اقتصاد بقاء"

في المقابل، لا يبدو أن إيران تستعد للاستسلام بسهولة أمام الضغوط، بل بدأت، وفق تقارير، في التحول إلى ما يوصف بـ"اقتصاد البقاء".

ويعني ذلك اتخاذ إجراءات تهدف إلى إبقاء الدولة والاقتصاد في حالة تشغيل، حتى في ظل تراجع الإيرادات وتشديد العقوبات.

وتشمل هذه الإجراءات تقنين بعض السلع التي تعاني نقصًا، وتقييد الوصول إلى العملات الأجنبية، وتقليص الاستثمارات، ونقل جزء أكبر من العبء الاقتصادي إلى الأسر، مع الحفاظ في الوقت نفسه على استيراد السلع الاستراتيجية والمواد الضرورية.

ويرى خبراء أن النظام الإيراني يحاول بذلك التأقلم مع الضغوط بدلًا من تقديم تنازلات سريعة لواشنطن.

وقال الباحث هادي كحالزاده إن الضغط الاقتصادي يدفع إيران تدريجيًا من اقتصاد قادر على امتصاص الصدمات إلى "اقتصاد بقاء" يستمر في العمل، لكنه يفقد تدريجيًا قدرته على التعافي.

أرقام تكشف حجم الأزمة

تأتي هذه التطورات في ظل وضع اقتصادي بالغ الصعوبة.

ويتوقع صندوق النقد الدولي أن ينكمش الاقتصاد الإيراني بنحو 6% خلال عام 2026، بينما يبلغ معدل التضخم السنوي نحو 80%.

كما ارتفعت أسعار بعض المواد الأساسية، بما فيها اللحوم ومنتجات الألبان، بأكثر من 150%، فيما فقد نحو نصف مليون إيراني وظائفهم، ويواجه ملايين آخرون نقصًا في الوقود وبعض السلع الأساسية.

كما سجل الريال الإيراني مستويات قياسية من التراجع، ما أدى إلى زيادة كلفة الواردات وتفاقم الضغوط على المواطنين.

وتشير تقديرات أخرى إلى أن الحصار البحري يحرم إيران من مئات الملايين من الدولارات يوميًا من عائدات النفط.

تحذيرات من أزمة غذاء ودواء

وصلت المخاوف داخل النظام الإيراني إلى مستويات مرتفعة.

وكشفت تقارير أن محافظ البنك المركزي الإيراني بعث رسالة إلى المرشد الأعلى مجتبى خامنئي حذر فيها من أزمة مالية حادة، مشيرًا إلى أن استمرار الحصار البحري قد يؤدي إلى نفاد مخزونات من الغذاء والمعدات الطبية الأساسية بحلول نهاية أغسطس.

كما قال نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي إن الاقتصاد الإيراني بحاجة ماسة إلى تخفيف العقوبات، وهو ما يمكن تحقيقه، بحسب قوله، عبر اتفاق دبلوماسي.

أما الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، فقد حذر مرارًا من تداعيات الأزمة الاقتصادية، وقال إن الاقتصاد تحول إلى ساحة المعركة الرئيسية في البلاد.

وبحسب تقارير، حذر بزشكيان القيادة الإيرانية من أن استمرار الضغوط قد يؤدي إلى زيادة الاستياء الشعبي، بل وصل الأمر إلى تهديده بالاستقالة.

طهران ترفض الرضوخ وتلوّح بالتصعيد

رغم حجم الأزمة، لا تزال القيادة الإيرانية ترفض الإقرار بأن الضغوط الأمريكية ستجبرها على الاستسلام.

وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن ما تسميه واشنطن "D-Day الاقتصادي" لن يؤدي إلا إلى زيادة العداء بين طهران وواشنطن.

كما وصفت وزارة الخارجية الإيرانية العقوبات الأمريكية بأنها «إرهاب اقتصادي» و«جريمة ضد الإنسانية»، مؤكدة أن إيران ستواصل الدفاع عن أمنها ومصالحها الوطنية.

وحذر مسؤولون إيرانيون من أن الضغط الاقتصادي قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، تتمثل في زيادة التصعيد بدلًا من تقديم تنازلات.

هل ينجح رهان ترامب؟

المعضلة الأساسية أمام استراتيجية ترامب هي أن تدهور الاقتصاد لا يعني بالضرورة انهيار النظام.

فإيران تعيش تحت العقوبات منذ سنوات، وقد طورت مؤسسات الدولة والشبكات التجارية طرقًا للتكيف معها والالتفاف عليها.

كما أن النظام يمتلك أجهزة أمنية قوية قادرة على قمع الاحتجاجات، ما قد يمنع تحول الأزمة المعيشية تلقائيًا إلى ضغط سياسي يؤدي إلى تغيير سلوك القيادة.

وفي المقابل، فإن استمرار فقدان عائدات النفط، وتراجع العملة، وارتفاع التضخم، ونقص السلع والوقود والدواء، يمكن أن يزيد الضغط على الحكومة ويضعها أمام خيارات أكثر صعوبة.

ولهذا، فإن المعركة الاقتصادية الحالية لا تدور فقط حول إضعاف الاقتصاد الإيراني، وإنما حول السؤال الأهم: هل ستدفع الضغوط طهران إلى طاولة المفاوضات وتقديم تنازلات، أم ستدفعها إلى مزيد من التصعيد العسكري والإقليمي؟

وفي الوقت الذي تراهن فيه واشنطن على أن إيران ستنهار تحت وطأة العقوبات والحصار، يبدو أن طهران تراهن بدورها على قدرتها على الصمود والتحول إلى «اقتصاد بقاء»، وتحميل المواطنين الجزء الأكبر من كلفة الأزمة، مع الحفاظ على مؤسسات النظام وأدواته الأمنية.

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة

توقعات الطقس للمدن
آخر تعديل: الجمعة 21 / أغسطس 10:01
جاري التحميل...
المدينة البلد درجة °c الوصف الشعور كأنه (°C) الأدنى / الأقصى الرطوبة (%) الرياح (كم/س) الشروق الغروب