تفكيك مصطلح "الإسلام السياسي"... هل يصبح الإسلام إسلامًا آخر لأن السياسة أحد مجالاته؟

ساهر غزاوي
نُشر: 20/08/26 22:44

لا أدّعي في محاولتي تفكيك مصطلح "الإسلام السياسي" أنني أقدم طرحًا استثنائيًا، أو أفتح بابًا لم يُطرق من قبل، أو أطرح شيئًا لم يناقشه غيري. على العكس تمامًا، فقد سبق إلى مناقشة هذا المصطلح ونقده وتفكيكه كثير من الباحثين والمفكرين الإسلاميين، وكذلك باحثون ومفكرون من خارج التيار الإسلامي، ومنهم نتعلم ونستفيد، فالحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق بها.
كما أن هذا الموضوع أوسع بكثير من أن يُستوفى في مقالات رأي مختصرة، ويحتاج إلى تفصيل ونقاش أعمق قد يكون له مقام آخر ومساحة أكثر ملاءمة للتوسع. لذلك سأكتفي هنا بالإشارة إلى بعض جوانبه الأساسية، مضطرًا إلى قدر كبير من الاختصار.
ما أحاول فعله هنا هو إعادة طرح بعض الأسئلة حول هذا المصطلح، والوقوف عند ما يحمله من دلالات وافتراضات قد تمر أحيانًا من دون مساءلة، خصوصًا لدى من يستخدمه باعتباره مصطلحًا بديهيًا ومحايدًا، ولا سيّما بعض أبناء التيارات والحركات الإسلامية، ومن تأثروا بمدارس الصحوة الإسلامية عمومًا.
والسؤال الذي أنطلق منه بسيط في ظاهره، لكنه يفتح بابًا أوسع للنقاش. فإذا كانت السياسة أحد المجالات التي يتناولها الإسلام، إلى جانب العبادة والأخلاق والأسرة والاقتصاد والاجتماع وغيرها، فهل يصبح الإسلام بسبب حضوره في المجال السياسي "إسلامًا سياسيًا"؟ أم أن الخلل يبدأ حين نأخذ أحد مجالاته ونحوّله إلى صفة تعيد تعريف الإسلام وتصنيفه؟
فالمشكلة ليست في كلمة "السياسي" وحدها، ولا في وجود حركات إسلامية تمارس السياسة أو تسعى إلى الحكم والسلطة، فهذا واقع لا يحتاج إلى إنكار، وإنما في الطريقة التي قد يوحي بها تركيب "الإسلام السياسي" بأننا أمام إسلام يمكن فصل بُعده السياسي عن بقية أبعاده، ثم تصنيفه باعتباره نوعًا مستقلًا من الإسلام.
وهنا تحديدًا تبرز مشكلة بعض المصطلحات وما تنطوي عليه من مقاربات اختزالية قد تتعامل مع الإسلام وكأنه "إسلامات متعددة"، فيجري تقسيمه وتصنيفه وفق المرحلة التاريخية، أو المجال، أو نمط التدين، أو الممارسة السياسية. فنقرأ، على سبيل المثال لا الحصر، عن "الإسلام الأموي" و"الإسلام العباسي" و"الإسلام المبكر"، وعن "التدين الشعبي" و"إسلام الفقهاء" و"الإسلام الشعبي" و"التدين السياسي"، إلى جانب استخدام مصطلحات مثل "الإسلاموية" و"رجال الدين". وحين تتكرر هذه المصطلحات بصورة منتظمة في الكتب والمقالات والمحاضرات، فإنها لا تعود مجرد تعبيرات عابرة فرضها السياق، وإنما تصبح جزءًا من إطار مفاهيمي له دلالاته وطريقته الخاصة في فهم الإسلام وتصنيف التيارات والحركات والتجارب التي تنطلق من مرجعيته.
وفي هذا السياق، كان الدكتور يوسف القرضاوي (رحمه الله) من الذين انتقدوا مصطلح "الإسلام السياسي" صراحة، ولم يرَ الإشكال في اللفظ وحده، وإنما فيما يمكن أن يقود إليه من تجزئة للإسلام. فقد كتب أن هذه التسمية "مردودة وخاطئة"، لأنها تقوم على "تجزئة الإسلام وتفتيته"، بحيث لا يعود أمامنا إسلام واحد، وإنما "إسلامات" متعددة (يوسف القرضاوي، الدين والسياسة: تأصيل ورد شبهات، ص 93-96).
ويذهب القرضاوي أبعد من ذلك، فيستعرض صورًا مختلفة لهذه التقسيمات، فتارة يجري تقسيم الإسلام بحسب الأقاليم إلى إسلام آسيوي وإفريقي، وتارة بحسب العصور إلى إسلام نبوي وراشدي وأموي وعباسي وعثماني وحديث، وتارة بحسب الأجناس والمذاهب، ثم تظهر، كما يقول، تقسيمات أخرى من قبيل "الإسلام الثوري" و"الإسلام الراديكالي" و"الإسلام اليميني" و"الإسلام اليساري"، وصولًا إلى "الإسلام السياسي" و"الإسلام الروحي".
ومن هنا يصل القرضاوي إلى الفكرة المركزية في نقده، وهي أن الإسلام لا يقبل هذا الفصل بين السياسي وبقية مجالات الحياة، لأنه ليس مجرد عقيدة وشعائر تعبدية تنظم علاقة الإنسان بربه، وإنما هو أيضًا "عقيدة، وعبادة، وخلق، وشريعة متكاملة"، وله موقف وتوجيه في شؤون الفرد والأسرة والمجتمع والدولة والعلاقات بين الناس.
ولذلك يقول القرضاوي بعبارة أكثر وضوحًا وحسمًا: "إن الإسلام الحق - كما شرعه الله - لا يمكن أن يكون إلا سياسيًا". ومقصوده هنا ليس تحويل الإسلام كله إلى سياسة، ولا اختزال الدين في الصراع على الحكم والسلطة، وإنما رفض إخراج السياسة من دائرة التصور الإسلامي للحياة، فالسياسة عنده جزء من مجالات اشتغال الإسلام، وليست إضافة حديثة أُلصقت به من الخارج.
وهذه النقطة هي التي تستحق، في تقديري، إعادة النقاش اليوم. فإذا كان الإسلام يتناول الأخلاق والعبادات والأسرة والمعاملات والاقتصاد والاجتماع والسياسة، فلماذا نأخذ أحد هذه المجالات تحديدًا ونلصقه بكلمة الإسلام لنصنع منه تصنيفًا مستقلًا اسمه "الإسلام السياسي"؟ وهل يصح، بالمنطق نفسه، أن نتحدث عن "إسلام اقتصادي" و"إسلام اجتماعي" و"إسلام أخلاقي" كلما أردنا دراسة حضور الإسلام في واحد من هذه المجالات؟
لكن من المهم الانتباه إلى أن هناك فرقًا ينبغي الحفاظ عليه بين تقسيم الإسلام نفسه إلى أنواع متعددة، وبين دراسة تجارب المسلمين وأنماط التدين والحركات والأفكار التي ظهرت في سياقات تاريخية واجتماعية مختلفة. فمن المشروع علميًا أن نتحدث عن تجربة سياسية إسلامية في العصر الأموي أو العباسي، أو عن أنماط من التدين، أو عن حركة إسلامية ذات نشاط سياسي، إذا كان المقصود وصف ظاهرة محددة وتحليلها، لا افتراض وجود "إسلامات" مستقلة بعضها عن بعض.
وهنا لا بد من التمييز بين الحديث عن "إسلام سياسي" وبين الحديث عن حركات إسلامية مارست العمل السياسي بمختلف أشكاله وفق فهمها ومرجعيتها الإسلامية، وتفاعلت مع قضايا الدولة والسلطة والمجتمع والشأن العام. والفرق بين التعبيرين ليس لغويًا فقط، فالأول قد يجعل الصفة ملتصقة بالإسلام نفسه، أما الثاني فيضعها في مكانها الأكثر تحديدًا، ويربطها بتجربة الحركة أو الجماعة وممارستها السياسية.
ومن هنا، فإن تفكيك مصطلح "الإسلام السياسي" لا يعني إنكار حضور السياسة في الإسلام، فالسياسة جزء من رؤيته الشاملة للحياة. وكما يقول القرضاوي، فإن الإسلام "يوجه الحياة كلها"، وهو "منهج كامل للحياة" بما وضع من مبادئ وأصَّل من قواعد. كما لا يعني ذلك إنكار وجود حركات وتيارات إسلامية تمارس السياسة وفق فهمها ومرجعيتها، وإنما يعني مساءلة المصطلح نفسه وحدود قدرته على التفسير. فماذا نصف به تحديدًا؟ الإسلام أم المسلمين؟ النصوص أم الحركات؟ المرجعية الفكرية أم الممارسة السياسية؟
لكن هذه ليست سوى خطوة أولى في تفكيك المصطلح، إذ تبقى أسئلة أخرى تتعلق بمدى قدرته على جمع حركات وتيارات وتجارب شديدة التباين تحت مظلة واحدة. وهذا ما سأحاول متابعة مناقشته في المقال القادم: أيّ "إسلام سياسي" نتحدث عنه أصلًا؟


 

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة