الشيخة ريميتي ..هل ظلمنا امرأة لأنها غنّت بصوتها؟

سارة مرزوڨي- جزائرية
نُشر: 18/08/26 08:56

هناك فنانون يمرّون من الذاكرة مثل أغنية سريعة الإنطفاء ، وهناك فنانون يتركون وراءهم سؤالًا لا ينتهي. والشيخة ريميتي لم تكن مجرد صوت في تاريخ الراي الجزائري؛ كانت سؤالًا مفتوحًا عن المرأة، والمجتمع، والجرأة، والحدود التي يرسمها الناس للفن ثم يطلبون من الفنان أن يعيش داخلها.

ولدت ريميتي في الجزائر، وعاشت زمنًا لم تكن فيه المرأة تملك دائمًا حق أن تقول ما تريد، بالطريقة التي تريدها، وبالصوت الذي تختاره. ومع ذلك غنّت. لم تغنِّ عن عالم مثالي، بل عن الحياة كما عرفتها: الحب، الفراق، الرغبة، الفقر، العلاقات، الخيبة، والشارع الذي لا يعرف كيف يخفي أسراره.

وهنا بدأت المشكلة. لم يكن صوت ريميتي مريحًا للجميع. كانت امرأة تتحدث بصراحة في فضاء فني اعتاد أن يمنح الرجل مساحة أوسع للكلام، ثم يطلب من المرأة أن تنتقي كلماتها بعناية. لذلك لم يكن الجدل حولها فنيًا فقط؛ كان في جزء منه جدلًا حول السؤال الأقدم: ماذا يسمح للمرأة أن تقول؟

ربما لهذا السبب بقيت ريميتي شخصية ملتبسة في الذاكرة الجزائرية. أحبها كثيرون، وانتقدها آخرون، وتحفظ البعض عن بعض أغانيها، بينما اكتشف فيها آخرون صوتًا نادرًا خرج من قلب المجتمع الشعبي ولم يحاول تزيينه.

لكن المفارقة أن الزمن، الذي كان قاسيًا معها، بدا أكثر إنصافًا من بعض معاصريها.

فمع مرور السنوات، لم يعد ممكنًا الحديث عن تاريخ الراي من دون المرور باسم ريميتي. لقد أصبحت جزءًا من ذاكرة هذا الفن، ومن مساره الذي انتقل من فضاءات شعبية محدودة إلى مسارح العالم. ولم تعد الأغنية التي أثارت حرجًا في زمنها مجرد أغنية؛ أصبحت وثيقة اجتماعية تقول لنا كيف كان الناس يحبون، ويختلفون، ويحلمون، ويتحدثون بعيدًا عن اللغة الرسمية.

وهنا ربما تكمن قيمة ريميتي الحقيقية.

لم تكن مهمتها أن تكون نموذجًا أخلاقيًا، ولا أن ترضي الجميع. الفنان لا يُقاس دائمًا بمدى ملاءمته لصورة المجتمع عن نفسه، بل أحيانًا بقدرته على كشف ما يحاول المجتمع إخفاءه.

ريميتي فعلت ذلك بطريقتها.

كانت تغني عن الهامش، ولذلك أصبحت هي نفسها، في نظر البعض، جزءًا من الهامش. لكن التاريخ الثقافي كثيرًا ما يفعل شيئًا غريبًا: يدفع المختلفين إلى الخارج في حياتهم، ثم يعيدهم إلى الداخل بعد رحيلهم، ويمنحهم مكانًا في الذاكرة التي لم تكن رحيمة بهم.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: هل كانت ريميتي جريئة أكثر مما ينبغي؟

بل: من الذي وضع حدود «ما ينبغي» أصلًا؟

هل كان المجتمع مستعدًا لأن يسمع امرأة تتحدث بصوتها، لا بالصوت الذي اختاره لها؟

وهل كانت المشكلة في كلمات ريميتي، أم في كون صاحبة هذه الكلمات امرأة؟

هذه الأسئلة لا تعني أن كل ما غنته ريميتي كان فوق النقد. الفن، مثل أي مجال آخر، يحق لنا أن نختلف حوله. لكن النقد شيء، وتحويل المرأة إلى خطيئة لمجرد أنها امتلكت صوتًا مختلفًا شيء آخر.

لقد تغيّرت الجزائر كثيرًا منذ زمن ريميتي، وتغيرت معها الموسيقى واللغة والذائقة الاجتماعية. لكن بعض الأسئلة القديمة لم تختفِ تمامًا. ما زلنا أحيانًا أكثر استعدادًا لمسامحة الرجل على جرأته، وأكثر قسوة مع المرأة عندما تختار أن تكون صريحة.

لهذا تبدو ريميتي اليوم أكبر من أغنياتها.

إنها حكاية امرأة اختارت أن تتكلم في زمن كان الصمت فيه أكثر أمانًا، وأن تغني في مجتمع لم يكن دائمًا مستعدًا للاستماع إلى المرأة حين تتحدث من تجربتها هي.

وربما لهذا أيضًا بقي صوتها.

فالأصوات التي تشبه زمنها تموت معه أحيانًا، أما الأصوات التي تزعج زمنها فتملك فرصة أخرى: أن تعود بعد سنوات، وتدفعنا إلى إعادة قراءة الماضي بعين مختلفة.

رحلت ريميتي، لكن السؤال الذي تركته لم يرحل.

هل ظلمنا امرأة لأنها غنّت بصوتها؟

ربما لا نملك اليوم شجاعة الإجابة بقدر ما نملك شجاعة طرح السؤال.

وهذا ،في حد ذاته أحد أشكال إنصافها.

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة