الألم يولّد الأمل

 حسن عبادي
نُشر: 16/08/26 22:17

الألم يولّد الأمل
                                                                             حسن عبادي/ رام الله-حيفا                  

شاركت مساء السبت 15.08.2026 في حفل توقيع رواية " لذّة القهر -لذة بطعم القهر تبقى ما دام هناك مستبدون" للكاتب أنس أبو سعده (89 صفحة، تصميم اغلاف: رامي قبّج، إصدار: الرعاة للدراسات والنشر وجسور ثقافية نشر وتوزيع) الذي أقيم في ملتقى حنظلة الثقافي في رام الله، تقديم وحوار الإعلامي والأديب أحمد زكارنة ومداخلات الكاتب والروائي د. صافي صافي والكاتب والروائي محمد البيروتي، ورافقني الفنان جميل عمرية والصديق الكاتب فراس حج محمد وابنته غاليه.


جاء في مداخلتي؛

تعرّفت على عريس اللقاء الصديق أنس أبو سعده من خلال نشاطنا في اللجنة الاستشاريّة للتحالف الأوروبي لمناصرة أسرى فلسطين؛ التقينا في مؤتمر التحالف السابع في مالمو/ السويد 
وفي المؤتمر التاسع للتحالف في بروكسل/ بلجيكا، وترافقنا في لقاء بمحكمة الجنايات الدولية في لاهاي تزامناً مع يوم الأسير الفلسطيني وفي عدّة نشاطات عبر الزوم لمناصرة أسرانا؛

ولم أتعرّف عليه كاتباً.

 فوجئت حين بعث لي عبر البريد الإلكتروني مخطوطة روايته الأولى "لذّة القهر" وأبديت ملاحظاتي المتواضعة، وشرّفني لاحقاً حين طلب منّي كتابة مقدّمة لها.

تناولت في مقالاتي حول كتب قرأتها "لوحة الغلاف"؛ يُعتبر الغلاف عتَبةً نصّية وعملاً موازياً لمتن المؤلّف وأصبحت له وظائف ودلالات، وحين أمسك بكتاب أبدأ بتمعّن غلافه، ويجذبني ذاك الغلاف الذي يرتبط بالمضمون. استفزتني الأغلفة المغوغلة التي لا تربطها أيّة علاقة بالكتاب ومحتواه وأشرت إلى ذلك عدّة مرات في كتاباتي، وقمت لاحقاً بالتشبيك بين أصدقائي من الكتّاب والفنّانين للتعاون بينهم. 
وعليه؛ شبّكت بين أنس وصديقي الفنان رامي قبّج وفعلاً صمّم الغلاف من وحي الرواية وحصرياً لها.
جميل أن تطلّ من نافذة المهجر والشتات بنظرة مشرطيّة على نشأتك وحكايات سمعتها وحفظتها عن ظاهر قلب، تراجع من هناك شريط الذكريات، والألم يعتصرك ليل نهار، فيصير للقهر لذة ومذاق آخر من على شرفة العمر، يتولّد الأمل من جديد من رحم المعانة والألم. 
تحلم من هناك بغد مليء بالأمل رغم الألم.

هذا ما لمسته في تواصلي الدائم مع أصدقائي في المهجر والشتات، وفي أحاديثنا حين نلتقي، وظهر جليّاً حين شاركنا معاً عرس منير (ابن الصديقين أمل وخالد حمد) في ألمانيا أواخر شهر أيار.

حين قرأت المخطوطة وجدت كلماته تفجّر قنبلة موقوتة حول ظواهر اجتماعية حاولنا سترها تحت البساط لأننا أبعدنا نحو الأسطرة الشعاراتية المقيتة وأهملنا ظواهر اجتماعية تنخر في المجتمع كسوس الخشب لتقضي على الأخضر واليابس.
أخذتني الرواية إلى رواية "فينوس في الفراء" للروائي النمساوي ليوبولد مازوخ (ومن هناك جاء مصطلح المازوخية  masochism ) ؛ فأبطال روايته كانوا يستمتعون بالإهانات والتعذيب والألم الجسدي، ونجد المازوخي يقوم بأشياء تعرّضه للإهانة والإيذاء  الجسماني أو اللفظي، وكأنّه يجد المتعة الخفية في الأمر، حتى ولو اشتكى أحيانا، ليحاول أن يكسب عطف الناس واهتمامهم،  فبات يعشق دور المعذّب والضحية والمقهور.
هل هذا وضع القائمين على مؤسسات الوطن، بمسميّاتها المتعدّدة، بتنا نعشق دور المعذّب والضحيّة لاستجداء عطف العالم واهتمامه؟
وعودة إلى الرواية؛ تجذّر القهر في النخب مما جعلها تحاول قهر العامة لتحافظ على زمام سيطرتها عليها، فيتحوّل المقهور إلى قاهر على المستضعفين من أبناء جلدته.

نعم؛ وجد لذة القهر؛ لذة بطعم القهر تبقى ما دام هناك مستبدون.

أعذرني أنس؛ أخذتني مجدّداً لما كتبه الأسير عاهد نصاصرة في كتابه "حنين" حين صوّر صورة قاتمة سوداء لواقعنا البائس، صورة سمِعتها من الكُثُر ممّن التقيتهم عبر القضبان؛ "تحرّر أسيران من ذات السجن في صفقة تبادل "تسلم صديق نجلها وظيفة في الأجهزة الأمنية، وأما ابنها ولكونه ينتمي إلى حزب معارض للاتفاق، أصبح تلقائياً من الملاحقين وقد اعتقل اعتقالا سياسيا وزج به في سجن أريحا. وحين ذهبت تلك الأم البائسة لزيارته، صدمت صدمة لا يعلم بها إلا الله والشياطين، حين وجدت صديق نجلها والذي هو بمثابة ابنها، يعمل سجاناً وقذ أذاق ابنها الويل" (ص. 250). يا للمفارقة!
وكذلك الأمر لما حدث للدكتورة شيماء أبو غالي في سجن برغشة سيئ الصيت والسمعة.

 حيّرتني يا أنس؛ هل هي لذّة القهر عند المقهور؟
أم لذّة القهر عند القاهر؟
أم لذة المقهور الذي صار بقدرة أسياد الأمس قاهراً لأبناء جلدته؟
 تناول أنس، ابن الكل الفلسطيني، الذي تحدّى حدوداً رسمها الغاصب المحتل، ظاهرة الاختراق الأمني والعملاء، الكثيرون يغرقون في مستنقع العمالة، خيانةِ العملاء الذين يبيعون أنفسهم وشعبهم في مقابل حفنة من المال والإحساس بالأمان والاستقرار الماديين، والإسقاط الأمني.
كما تناول ظواهر اجتماعيّة مقيتة، وظاهرة المخترة، بالوراثة، والمختار خادم الاحتلال مقابل ختم وهميّ يتباهى به، ذهبت الثورة، وذهبت معها القيم والمثل العليا، وبات الكل الآن يتزاحم على فتات ما فاض عن حاجة الاحتلال.
 يحنّ أنس إلى براءة الزمن الجميل، رغم أنف من يتسلّح بالوهم ويتشدّق بالمثاليات، ينتشي بقهره للمستضعفين ويتلذّد بقهر من هو أضعف منه وأقلّ مرتبة ولكن مصيره جحيم رسمه للآخرين، وبئس المصير. 
وجاءت النهاية "أصبح الماضي درساً لكل من يحلم بالقوة على حساب الآخرين".
وكأنّي بأنس يصرخ بها بأعلى صوته: لا مازوخيّة بعد اليوم؛
وأخيراً؛ وصلتني صباح اليوم رنقيّتان ممّن رأى دعوة لقاء اليوم:
"قُيدت في بلادي مرتين الاولى من عدوي وما رأيتها الا قيود عز وفخر، والثانية من ابن بلادي وما رأيتها الا قيود ذل ومهانة ... أعزني عدوي وأذلني وطني".
وتبعتها أخرى: 
"طلعت من سجون الاحتلال في داخلي طاقة بتهد جبال وطلعت من سجن السلطة باخد مهدئات اعصاب لأنه ما استوعبت فكرة انه يكون خصمي هو ابن بلدي".
نعم؛ لا بدّ من نهاية القهر وبداية الأمل بغدٍ أفضل، يذيق كلّ مستبدّ بكأس المرارة ذاتها.


 

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة