أمير مخول – مركز تقدّم للسياسات
تجري يوم 17 اباغسطس الجاري الانتخابات التمهيدية في حزب الليكود لاختيار قائمة مرشحيه لانتخابات الكنيست الإسرائيلي. يشارك في الانتخابات التمهيدية نحو 140 ألف من المنتسبين للحزب. تجري الانتخابات في ظل تحديات قد تكون حاسمة بصدد مصير نتنياهو السياسي. حيث تتركز مساعي رئيس الوزراء الإسرائيلي على منع تمرّد أعضاء قياديين وقياديات في حزبه عليه، والحيلولة دون فقدان السيطرة على صراع الأقطاب والاجنحة في حزب الليكود، وعلى ضمان انتخاب وتعيين قائمة مقبولة على أقصى اليمين وعلى اليمين الوسط في آن، وعلى منع تفكك كتلة اليمين الحاكم والإبقاء عليها ركيزة لمستقبله السياسي ما بعد الانتخابات.
في القراءة:
نجح وزير الأمن يسرائيل كاتس ومن خلال ترؤسه لسكرتارية حزب الليكود الحاكم في ابتزاز نتنياهو وضمان تحصين موقعه في القائمة الانتخابية ضمن اول ستة مرشحين وقد ينجح في ان يكون الثاني، والذي يشكل رافعة له للتنافس على وراثة نتنياهو في حال خسر الانتخابات او اعتزل الحياة السياسية. فيما حقق نتنياهو من محكمة الليكود ودستوره القدرة الفعلية على تحصين عشرة مرشحين من ضمين الثلاثين الأوائل. فيما أدت موضعة كاتس في موقع متقدم الى ارتفاع منسوب التذمر والغضب داخل الحزب.
مسعى نتنياهو هو إضفاء طابع مقبول على القائمة الانتخابية كي لا تبدو من غلاة التطرف العقائدي والصهيونية الدينية والكهانية، والذين باتوا كثرا في حزبه ويدفع وجودهم أوساط من الليكود لتركه والتحول الى دعم المعارضة وحصريا غادي ايزنكوت زعيم حزب "يشار" .
يفتش نتنياهو عن وجوه تبدو معتدلة وأقل شعبوية ومنصاعة له في ولائها، وتكون قادرة على اضافة مصوتين لليكود من الجناح الأقل تطرفا، وكذلك من كلّ من الإسرائيليين من أصول شرقية وروسية وأثيوبية وفقا لسياسة الهويات. كل هذا من أجل إضفاء طابع حزب يمين وسط على الليكود الحاكم بعد ان تصاعد منسوب المنتسبين من أنصار الصهيونية الدينية وأرض إسرائيل الكبرى والمستوطنين إضافة الى الأعضاء من التيارات الحريدية الدينية. تأتي هذه المساعي لمحاصرة المرشحين المنافسين ايزنكوت وبينت.
ما يميز كتلة الائتلاف الحاكم من أقصى اليمين عن المعارضة من اليمين الوسط، هو ان الأولى متوافقة على مبايعة نتنياهو مع الادراك بأن مصيرها التشتت في حال غيابه شخصيا عن قيادتها. وخاصة وأن كتلة الائتلاف الحاكم تمثل ثلاثة تيارات مركزية ليست بالضرورة متجانسة في كل الأحوال؛ وهي الليكود او اليمين العقائدي؛ والصهيونية الدينية (سموتريتش وبن غفير (الكهانية))؛ والحريديم.
تجري الانتخابات التمهيدية لحزب الليكود في ظرف يعتبر حرجا بالنسبة لنتنياهو الذي يدرك أن حظوظه ليست الأفضل وهناك مؤشرات الى انه قد يخسر الانتخابات العامة، وأن الغلبة ستكون ليس للحزب الأكبر بالضرورة وإنما لمن يملك القدرة على تشكيل كتلة متجانسة أكبر. يفترض هذا المعطى من نتنياهو أن يقوم بترتيب الأوراق داخل حزب الليكود آخذا بالحسبان مراكز القوة العديدة فيه والمتصارعة فيما بينها. لتكون مهمته الأخرى هي لملمة أطراف مركبات الائتلاف الحاكم وما يطلق عليه هندسة الاصطفافات فيما بينها لضمان عدم هدر اي أصوات على حساب كتلة أقصى اليمين، اذ حدث في السابق ان حسمت الانتخابات على عدد ضئيل من الأصوات كما حدث عام 1996 حين فاز نتنياهو على شمعون بيرس بفارق 30 ألف صوت. في المقابل فقدت المعارضة الحالية نحو 300 ألف صوت بإخفاق كل من حزبي التجمع الوطني الدمقراطي وميرتس تجاوز نسبة الحسم، مما مهّد الطريق لتشكّل ائتلاف أقصى اليمين ولا يريد نتنياهو ان يصيب كتلته ما حدث للمعارضة.
احتمالات ان يسيطر نتنياهو على معظم الصراعات في كتلته ليست مضمونة، فالصراع داخل حزبه قد يؤدي الى انشقاق عدد من النواب والوزراء الحاليين نحو تكتلات حزبية انتخابية جديدة، وهذا ليس بالضرورة في غير صالح رئيس الوزراء المعني في مثل هذه التكتلات كي تجذب عددا من مصوتي اليمين الذين ينوون التصويت لاحزاب المعارضة، في المقابل هناك احتمالات تشقق داخل كتلة أحزاب الائتلاف الحاكم حاليا، وحصريا يخشى نتنياهو انقسامات داخل حزب شاس، تدفع أوساط منه للتصويت لصالح ايزنكوت من أصول مغاربية. بينما الصراع داخل هذا الحزب يبدو في طريقه الى التصعيد بين المرجعية الدينية بقيادة الحاخام الأكبر السابق يعقوب يوسف وهو ابن الزعيم الروحي الأسبق ومؤسس شاس عوفاديا يوسف، وبين اريه درعي رئيس الحزب والرجل القوي فيه، اذ يدعو الرئيس الروحي السابق في اجتماعات مغلقة الى عدم التصويت لحركة شاس والى فك الشراكة التلقائية مع حزب الليكود برئاسة نتنياهو. فيما يرى درعي بأن نتنياهو قابل للابتزاز وفعليا تجاوب مع كل مطالب شاس المالية في اطار موازنة الدولة ويقوم بتعويق إنفاذ قانون تجنيد الحرديم رغما عن ان شاس لا تعارض الخدمة العسكرية.
التحدي الاخر لحزب شاس يأتي من أقصى اليمين ومن حزب بن غفير الذي ينافسه على جمهوره وعلى قاعدته الانتخابية. فعليا يشهد حزب شاس تراجعا في قوته في الاستطلاعات في الأسابيع الأخيرة. ان انزياح عشرات الاف المصوتين من حزب شاس لصالح حزب ايزنكوت قد يحسم المعركة الانتخابية لصالح كتلة أحزاب المعارضة الحالية.
في المقابل تتعالى الأصوات داخل حزب يهدوت هتوراه الحريدي من اصول اشكنازية والداعية الى عدم الالتزام بالشراكة مع نتنياهو وحصريا بسبب قانون التجنيد العسكري، حيث لا يخدم تلاميذ المدارس الدينية في الجيش ويرفضون ذلك بقوة. كما توجد مؤشرات لانشقاق بين مركبي يهود التوراة وحصريا حزب ديغل هتوراة الذي يشير قادته الى احتمالية التفاهم مع ايزنكوت بخصوص الخدمة العسكرية. في القضايا السياسية وفي مسألة التميييز العنصري تجاه الداخل الفلسطيني يبدو هذا الحزب أكثر اعتدالا من أحزاب الائتلاف الحالي. سيسعى نتنياهو الى الحيلولة دون تحقق هذه الانشقاقات، وليس بالضرورة ان ينجح في مهمته.
ماذا سيحدث فيما لو أخفق نتنياهو في توحيد حزبه وكتلة اليمين؟
يواجه نتنياهو ما هو أقرب الى التمرد الداخلي من قيادات في حزبه، وحصريا عضو الكنيست تالي غوتليب صاحبة الشعبية الكبيرة بين اليمين، والتي يخشى تبوئها موقعا متقدّما في واجهة القائمة، ما يدفع قوى وسطية في الحزب الى الانسحاب منه والتصويت للمعارضة. كما تُعتبر غوتليب مستقلة ولا تخضع لسطوة نتنياهو، وفي مواقفها تظهر أقرب الى مواقف الكهانية والصهيونية الدينية ومن معارضي موضعة وزير الأمن كاتس في مواقع متقدمة. في حال تبوأت موقعا متقدما في القائمة فإن ذلك يؤهلها للمطالبة بأن تكون وزيرة وصاحبة قرار في الحكومة في حال شكلها نتنياهو. في المقابل يسعى نتنياهو الى استماله غلاة المستوطنين الى قائمة حزبه وتصدر الأماكن المضمونة في القائمة وحصريا أفيحاي بارون من قادة الاستيطان والذي قاد المواجهة عام 2017 ضد قرار المحكمة العليا اخلاء بؤرة عامونا الاستيطانية شمال شرقي رام الله. كما قام نتنياهو بتحصين موقع للنائب ألموغ كوهين الذي انتقل من حزب بن غفير الى الليكود، والمعروف بدوره في تأسيس الميليشيات المسلحة في المدن الساحلية حصريا المخصصة لردع السكان العرب.
لغاية الان فإن الاستطلاعات غير مبشّرة بالنسبة الى نتنياهو، كما ان الوضع الأمني لم يعد يلعب لصالح احتمالاته الانتخابية لا اذ حدث تصعيد ولا اذا حدثت تهدئة فيه، الا ان الوضع الأمني يشكل ورقة لعب هامة ولغرض آخر بالنسبة لنتنياهو، ألا وهو إرجاء الانتخابات الإسرائيلية ولديه القدرة على ذلك وبذريعة التصعيد في جبهة من الجبهات. في المقابل فإن خيار التصعيد الحربي محاصر بدوره بالموقف الأمريكي المعني بالتهدئة في جميع الجبهات بما فيه الضفة الغربية التي يسعى اليمين الحاكم الى التطهير العرقي وتصفية الوجود السكاني الفلسطيني فيها والقضاء على السلطة الفلسطينية.
خيارات نتنياهو تتقلص فعليا وفي حال أنبأته الاستطلاعات الداخلية غير المنشورة إعلامياً، بسقوط كتلته الحاكمة، ستتراوح بين الخسارة الانتخابية وهذا هو السيناريو الأسوأ له، وبين التنحي مسبقا، وفق لاحد الخيارات التالية: 1. تنحي نتنياهو قبل الانتخابات وانسحابه من الحياة السياسية مقابل أيضا إغلاق ملفاته القضائية، وهو ما ألمح اليه ترامب حين صرح قبل أسابيع بأنه ليس من المؤكد ان يخوض نتنياهو الانتخابات. 2. شق نتنياهو لحزب الليكود على غرار ما قام به شارون في حينه، حين تخلص من العناصر الأكثر مغالاةً وأقام حزب كديما من اليمين الوسط. وسعيا لاحتمالية تشكيل حكومة وحدة قومية بالتناوب. 3. إرجاء الانتخابات بذريعة الوضع الأمني. 4. تحويل المعركة الانتخابية الى العنف المكشوف سعيا لقهر الصوت العربي والمعارضة الإسرائيلية وسعيا لعدم الاعتراف بنتائجها، وعندها البقاء في الحكم الى أجل غير مسمى حتى بأدوات دكتاتورية.
في الخلاصة، تشكل الانتخابات التمهيدية في حزب الليكود الحاكم امتحانا لنتنياهو؛ فهل بمقدوره السيطرة على الصراعات الكثيرة داخل حزبه والإبقاء على تماسكه، أم سيفقد السيطرة وعندها سيفقد السيطرة على معسكر اليمين الحاكم برمته.
لم يعد الملف الأمني سندا لنتنياهو فلن يسعفه التصعيد الأمني في كسب التأييد الشعبي ولا التهدئة تسعفه، فيما لا يزال بمقدوره استخدام الوضع الأمني لوظيفة واحدة وهي إرجاء الانتخابات الإسرائيلية والبقاء في الحكم.
في حال تيقّن نتنياهو من فشله انتخابيا، فمن المحتمل ان يتنحى قبل الانتخابات وينسحب من الحياة السياسية مقابل إغلاق ملفاته القضائية، وهو ما ألمح اليه ترامب حين صرح قبل أسابيع بأنه ليس من المؤكد ان يخوض نتنياهو الانتخابات.
يبقى الاحتمال ضئيلا لقدرة نتنياهو على شقّ حزب الليكود على غرار ما قام به شارون في حينه، حين تخلص من العناصر الأكثر مغالاةً وأقام حزب كديما من اليمين الوسط. وسعيا لاحتمالية تشكيل حكومة وحدة قومية بالتناوب.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency