هناك من يريد أن تبقى أجيالنا حطّابي أشجار وسقاة ماء لهم

صالح نجيدات
نُشر: 15/08/26 15:26

منذ قرون طويلة، عاشت الأمة العربية تحت حكم الإمبراطورية العثمانية، إلى أن انهارت بعد الحرب العالمية الأولى سنة 1914. وبعدها دخلت معظم البلاد العربية مرحلة الانتدابات والاستعمار البريطاني والفرنسي والإيطالي، واستمر ذلك عقودا من الزمن. وعندما حصلت الدول العربية على استقلالها، كان من المفترض أن تبدأ مرحلة جديدة من بناء الدولة والإنسان، وأن يصبح التعليم والعلم والمعرفة أساس للنهضة والتقدم.

لكن، وللأسف، لم يكن الاستقلال السياسي دائما مصحوبا باستقلال حقيقي في القرار والتنمية. فقد نصبت أنظمة عشائرية فاسدة، ارتبطت مصالحها بالدول الاستعمارية أكثر من ارتباطها بمصالح شعوبها، وأصبحت ثروات البلاد في كثير من الأحيان وسيلة لإثراء العائلات الحاكمة والدول الاستعمارية ، بينما بقيت الشعوب تعاني الفقر والبطالة والجهل.

ومن أخطر ما يمكن أن يصيب أي أمة إهمال التعليم. فالتعليم ليس مجرد قراءة وكتابة وحفظ للمعلومات، وإنما هو بناء للعقل والوعي والشخصية والضمير والقيم والأخلاق، ووسيلة لتحرير الإنسان من الجهل والخوف والتبعية.

إن إهمال التعليم يعني إهمال أجيال كاملة، وعندما يُحرم الطفل من المدرسة والمعرفة، فإن المجتمع يدفع الثمن بعد سنوات عند كبره . فقلة التعليم تؤدي إلى اتساع دائرة الجهل والامية والتخلف ، وتزيد فرص الفقر والبطالة والتعصب والعنف والجريمة والفساد، وتضعف قدرة الإنسان على التفكير النقدي وعلى معرفة حقوقه وواجباته.

وما يزيد الأمر خطورة أن الحروب والنزاعات التي تشهدها بعض الدول العربية أدت إلى حرمان مئات الاف الأطفال من حقهم الطبيعي في التعليم. مدارس أُغلقت أو دُمّرت، وأطفال اضطروا إلى ترك مقاعد الدراسة والنزوح مع أسرهم، وأجيال كاملة مهددة بأن تكبر وهي محرومة من العلم. وإذا استمر هذا الوضع، فإن آثار الأمية والجهل لن تتوقف عند جيل واحد، بل قد تمتد إلى أجيال متعاقبة.

وهنا يجب أن نسأل أنفسنا بصدق: من المستفيد من أمة ضعيفة التعليم، ممزقة، فقيرة، مستهلكة، لا تنتج ما تحتاج إليه ولا تمتلك المعرفة التي تمكنها من بناء مستقبلها؟

إن الأمم لا تُهزم فقط في ساحات المعارك، وإنما قد تُهزم أيضاً عندما يُهمل عقل أبنائها، وتُترك مدارسها وجامعاتها بلا اهتمام، ويُحاصر البحث العلمي، ويصبح العلم آخر ما يُفكَّر فيه.

نحن لا نريد لأبنائنا أن يكونوا مجرد أيدٍ عاملة رخيصة، ولا أن يعيشوا طوال حياتهم حطّابي أشجار وسقاة ماء لغيرهم، بينما ثروات بلادهم تُستغل، وعقولهم تُهمّش، ومستقبلهم يُسرق منهم.

علّموا أبناءكم، فالعلم هو السلاح الأقوى الذي لا يُصادره أحد.

ابذلوا الغالي والنفيس من أجل تعليمهم، وتشجيعهم على القراءة والبحث والتفكير والإبداع، وعلّموهم أن الاختلاف لا يعني العداوة، وأن الوطن لا يُبنى بالتعصب والكراهية، وإنما بالعلم والعمل والوحدة والعدل.

إن مستقبل الأمة لا يُصنع في قصور الحكام، ولا في صفقات السياسة، وإنما يُصنع في الاسرة المتعلمة الواعية وفي المدرسة والجامعة والمختبر والمكتبة، وفي عقل كل طفل يتعلم، وكل شاب يبدع، وكل إنسان يؤمن بأن له دورا في بناء مجتمعه.

فإذا أردنا لأمتنا أن تتحرر حقا، فعلينا أن نحرر عقول أبنائنا أولا. فالاستقلال الحقيقي يبدأ من اسرة واعية ومدرسة جيدة، وعقل حر، و معلم مخلص يربي اجيالا متعلمة وواعية .

الدكتور صالح نجيدات

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة