قراءة نقديّة في المجموعة القصصيّة "قَبلَ مُنْتَصَف اللّيل" للكاتبة الفلسطينيّة كلارا سروجي-شجراوي
شهدت الأيّام القليلة الماضية صدور مجموعة قصصيّة جديدة للأديبة الدكتورة كلارا سروجي-شجراوي عن دار نشر "مكتبة كلّ شيء" الحيفاويّة، بعنوان "قبل منتصف الليل"، وتحمل عنوانًا فرعيًّا لافتًا: "قصص قصيرة وبرقيّات مسافرة على جناح السرعة". وتضمّ المجموعة أكثر من مائة وعشرين قصّة وبرقيّة، موزّعة على نحو مئتي صفحة من الحجم المتوسّط، في إصدار أنيق ينسجم غلافه مع أجواء النصوص وتنوّع عوالمها.
ومنذ العتبة الأولى، تلوح للقارئ ملامح تجربة قصصيّة تقوم على التقاط اللحظة وتكثيفها، والانتقال من التفاصيل اليوميّة إلى فضاءات أوسع من الدلالة. وتكشف المجموعة عن بنية سرديّة متنوّعة تتجاور فيها القصّة القصيرة والبرقيّة، ويتداخل المشهد المكثّف مع الحكاية الممتدّة، وتتفاعل الحكاية والومضة، ويتعانق الواقعيّ والغرائبيّ، وتتجاور نبرات الألم والسخرية، وتتفاعل مشاعر الأمل في التغيير مع لحظات القلق والارتهان لواقع مثقل بالتحدّيات. ويمنح هذا التنوّع المجموعة حيويّتها الخاصّة، ويكشف عن حساسيّة سرديّة تستوعب اختلاف الأشكال والموضوعات ضمن رؤية إنسانيّة واحدة، تتّجه إلى تفكيك التجربة الداخليّة للشخصيّات واستجلاء ما تختزنه من مشاعر وذاكرة وأسئلة، بحيث تتحوّل التفاصيل الصغيرة إلى مرايا تكشف أعماقها وتفتح أمام القارئ فضاءات أوسع للتأويل.
ويشكّل الإهداء عتبة دلاليّة لافتة لقراءة المجموعة، إذ يربط بين تجربة الألم وفعل الكتابة، ويكشف عن وعي بدور الحكاية في استيعاب التجارب الإنسانيّة وتحويلها إلى معنى. فالجرح والفقد والظلم ومواجهة الواقع تتحوّل في فضاء النصوص إلى طاقة سرديّة، تستعيد التجربة وتمنحها صوتًا قادرًا على الوصول إلى الآخر. ومن هذه الزاوية، تغدو الكتابة فعلًا من أفعال المقاومة الإنسانيّة، ووسيلة لإعادة تشكيل الألم في صورة حكاية تحفظ أثره وتفتح أمامه مجالًا للتأمّل والتواصل.
ويتصدّر الكتاب "مدخل إلى العوالم الصغيرة"، فيفتح للقارئ نافذة على المناخات المتنوّعة التي تتشكّل منها المجموعة، ويقوده إلى عوالم شخصيّات تنتمي إلى أعمار وتجارب متباينة، وتعيش تفاصيل الوحدة والقهر والحبّ والانتظار والحلم. ومن خلال زوايا البيوت الصامتة، والحدائق المتخيّلة، والأمكنة الحميمة، تقترب الكاتبة من دواخل شخصيّاتها، وتلتقط هشاشتها الإنسانيّة، ولحظات شغفها، وتقلّباتها النفسيّة، وما تختزنه ذاكرتها من أسئلة وتجارب. ويكشف هذا المدخل عن رؤية سرديّة تجعل الإنسان محورًا أساسيًّا في بناء الحكاية، إذ تنطلق الكاتبة من التفاصيل اليوميّة والعلاقات العابرة والمواقف الصغيرة لتستخرج منها عوالم داخليّة واسعة، فتغدو الشخصيّة مساحة تتقاطع فيها الذاكرة والرغبة والخوف والحنين، ويتحوّل المألوف إلى مدخل لاكتشاف طبقات أعمق من التجربة الإنسانيّة، ويكتسب التفصيل اليومي طاقة دلاليّة تتجاوز حضوره المباشر إلى فضاءات أرحب من التأويل.
ويبدو عنوان "قبل منتصف الليل" في النظرة الأولى محدّدًا بإطار زمني قصير، ثمّ يتّسع مع متابعة القراءة ليغدو عتبة دلاليّة شاملة للكتاب كلّه؛ فالمنتصف يمثّل لحظة فاصلة، فيما يحيل ما قبله إلى فضاء الانتظار والترقّب والخوف ممّا سيأتي، مقرونًا بإمكان الأمل والتحوّل. ويرتبط العنوان بالمتن ارتباطًا وثيقًا، إذ يحمل اسم إحدى قصص المجموعة، ثمّ يتجاوز حدودها ليكتسب دلالة أوسع تمتدّ إلى عوالم الشخصيّات وتجاربها؛ فكثير منها يقف في منطقة "قبل": قبل الرحيل، وقبل الفقد، وقبل الاعتراف، وقبل الانهيار، وقبل بلوغ لحظة مجهولة المآل. وبهذا يتحوّل "قبل منتصف الليل" إلى فضاء زمنيّ ونفسيّ تتقاطع فيه لحظات الانتظار مع الذاكرة والخوف والرغبة في التغيير، وتتشكّل فيه الحكايات على عتبة تحوّل مفتوحة على احتمالات متعدّدة. وتكتسب هذه العتبة أهميّتها من جمالها اللغوي ومن قدرتها على احتواء المزاج العام للكتاب؛ فالليل يتجاوز حضوره الحرفي ليغدو فضاء رمزيًّا تتقاطع فيه الأزمنة والمشاعر، فيما يمثّل منتصفه حدًّا فاصلًا بين ما كان وما سيكون، وبين الأمان والخوف، وبين الحضور والغياب. ومن هذه العتبة ينفتح الكتاب على عالم تتوحّد أجزاؤه في حساسيّة واضحة تجاه الإنسان؛ إذ تضع الكاتبة شخصيّاتها في مواقف متنوّعة، وترصد حركتها الداخليّة وما يطرأ عليها من مشاعر وتحولات، فتتّخذ التفاصيل اليوميّة مسارًا يقود إلى أعماق التجربة الإنسانيّة. وقد عبّرت هي نفسها، في مقدّمة المجموعة، عن اهتمامها بالشخصيّات العاديّة التي تخوض "رحلات استثنائيّة داخل أعماقها"، وعن الوحدة والقهر والحنين إلى الطفولة والبراءة والعدل، إلى جانب إبرازها دور الخيال بوصفه أداة لمقاومة الفقد. (سروجي-شجراوي، 2026، ص. 14).
ويتجلّى الاهتمام الأبرز في المجموعة بالرسائل والدلالات التي تنبني داخل النصوص، إذ تتحرّك الشخصيّات، على اختلاف ظروفها وتجاربها، في مساحة مشتركة قوامها البحث عن معنى للحياة ومغزى لها وسط مشاعر الخوف والوحدة والفقد. ويظهر هذا التوجّه من خلال اعتماد الكاتبة على التفاصيل المحليّة والرمزيّة إلى جانب الأحداث الكبرى؛ فكثيرًا ما تبدأ الحكاية من عنصر بسيط، كفنجان قهوة، أو صحن، أو قطار، أو طفل، أو نافذة، أو ورقة بيضاء، ثمّ يتحوّل هذا التفصيل إلى بوّابة دلاليّة تقود إلى معنى أوسع وأعمق. ومن هنا تبرز إحدى السمات المميّزة في كتابة كلارا سروجي-شجراوي، والمتمثّلة في منح الأشياء الصغيرة طاقة رمزيّة تتجاوز حضورها المادي إلى أبعاد نفسيّة وإنسانيّة واسعة. ففي قصّة "تكسير صحون"، يبدأ السرد بعادة نائل الغريبة؛ إذ يدخل المطبخ كلّما شعر بالحزن أو الغضب، فيشرع في تهشيم الصحون حتّى يسمع الجيران أصوات تحطّمها. ومع تقدّم الحكاية، يتكشّف البعد الداخلي لهذا السلوك، حين يظهر نائل إنسانًا يحمل في داخله طفلًا أجبر على كبت بكائه، فيتحوّل الصحن من شيء يوميّ إلى وعاء رمزيّ للألم، ويغدو فعل التكسير لغة جسديّة تعبّر عن غضب ووجع تعجز الكلمات عن احتوائهما. ثمّ تأتي الطفلة لتفتح في حياته مسارًا جديدًا، فيتحوّل الفعل من التدمير إلى التعبير، ومن تفريغ الألم إلى البحث عن منفذ إنساني له. وبهذا تكتسب القصّة بعدها الأعمق؛ إذ يتحوّل السلوك الفردي إلى سؤال حول قدرة الإنسان على اكتشاف طريقته الخاصّة في مواجهة ألمه واستعادة صلته بالحياة.
ويتكرّر هذا السؤال بصور متنوّعة في الكتاب، إذ تتّخذ الشخصيّات من الصمت والذاكرة والكتابة والعلاقات الإنسانيّة مسالكَ للتعامل مع تجاربها الداخليّة؛ فالصمت يصبح مساحة للتعبير، والذاكرة ملاذًا لاستعادة الماضي، والكتابة وسيلة لاستحضار المشاعر، فيما يغدو الآخر مصدرًا للأمان والاحتواء. وفي هذا السياق يتّخذ الحبّ في المجموعة دلالات تتجاوز حضوره العاطفي المباشر، ليغدو مساحة للاتصال والاحتماء واستعادة ما انقطع من صلات إنسانيّة. ويتجلّى ذلك بوضوح في قصّة "التفات"، حيث تلتقي امرأة برجل بعد أكثر من عشرين عامًا على فراقهما، فتراه ينتظر قطار المساء، وتكشف نظرتها إليه استمرار الحبّ رغم امتداد السنوات، ثمّ تأتي النهاية المكثّفة: "فانهارت الجدران التي تفصل عادة ما بين الأجساد". (سروجي-شجراوي، 2026، ص. 119). وتكتسب هذه العبارة قوّتها من طاقتها الرمزيّة؛ فالجدران تختزن سنوات الفراق والمسافة والظروف، وانهيارها يختصر لحظة عاطفيّة تتجاوز حدود اللقاء العابر إلى استعادة صلةٍ ظلّت كامنة تحت طبقات الزمن.
وتكشف هذه النهاية براعة الكاتبة في تحويل اللحظة العاطفيّة إلى صورة بلاغيّة؛ فالجدران هنا تمثّل السنوات والفراق والظروف وما تراكم بين الشخصيّتين. وعند انهيارها، تكتفي الكاتبة بتقديم لحظة الانكشاف، مع ترك مستقبل العلاقة مفتوحًا دون خاتمة مغلقة.
وتظهر هنا إحدى الخصائص البارزة في بناء القصّة القصيرة لدى الكاتبة، والمتمثّلة في الاقتصاد السرديّ وترك مساحة من الحكاية خارج النصّ، بما يوسّع مجال التأويل ويمنح القارئ دورًا في استكمال المعنى. ويتّخذ الحبّ في قصّة "اندحار" أفقًا أكثر اتّساعًا، إذ تبدأ الحكاية من تفصيل يوميّ بسيط يتمثّل في فنجان قهوة وسؤال عن الشيء الأسرع تبخّرًا؛ فيجيب الرجل: "الماء، طبعًا"، فتجيبه المرأة: "لا، إنّها السعادة؛ لا نكاد نلمحها حتّى تتلاشى، مثل هذا البخار". (سروجي-شجراوي، 2026، ص. 194). ومن هذه اللحظة اليوميّة ينفتح الحوار على الحرب والموت والجسد والرحيل، فتنتقل الحكاية بسلاسة من المحسوس إلى الوجوديّ، ويتحوّل فنجان القهوة إلى مدخل للحديث عن السعادة، ثمّ تصبح السعادة بوّابة إلى الحرب، فيما تتشكّل الحرب خلفيّة لعلاقة تجمع شخصين يقتربان من لحظة الفراق. وفي خضمّ هذا المشهد، تستعيد المرأة علاقتها بالحبّ عبر محاولة الكتابة؛ غير أنّ قلم الرصاص ينكسر فوق الورقة البيضاء، وتتعذّر عليها استعادة "لهفة الحبّ" من ذاكرتها، فتبدو منكمشة على ذاتها "مثل شمس مخنوقة بالغيوم السوداويّة". (سروجي-شجراوي، 2026، ص. 194). ويكتسب انكسار القلم هنا دلالة تتجاوز الحادثة المباشرة، إذ يتحوّل إلى صورة عن تعثّر الذاكرة أمام استعادة الشعور، وعن المسافة التي تفصل التجربة الحيّة عن القدرة على إعادة صياغتها بالكلمات.
وهنا تتجلّى الكتابة ذاتها بوصفها موضوعًا محوريًّا داخل القصّة. فالورقة حاضرة، والقلم حاضر، والرغبة في الكتابة قائمة، بينما تعجز الذاكرة عن الاستجابة. وتعدّ هذه اللحظة ركيزةً أساسيّة في فهم علاقة الكتابة بالإنسان في المجموعة؛ فاللغة تملك القدرة على التعبير، وتواجه حدودًا في قدرتها على استعادة الشعور بصورته الأولى.
ومن هذا المنطلق يتّضح حضور الحرف والكلمة والكتابة في مواضع متعدّدة من الكتاب، كما في "ظلّ الحرف" و"أهميّة الكلمة المكتوبة"، حيث تتحوّل اللغة من أداة لنقل الأحداث إلى عنصر جوهريّ في تشكيل الدلالة وطرح الأسئلة التي تستبطنها المجموعة. فالكلمة تكتسب قدرة على الفعل والتأثير، والتعبير يكشف حدوده أمام بعض التجارب، فيما يكتسب الصمت في لحظات أخرى طاقة بلاغيّة تتجاوز الكلام. وتظهر هذه الأسئلة من خلال سلوك الشخصيّات وتصرّفاتها ومساراتها الداخليّة، فتغدو اللغة جزءًا من التجربة التي تعيشها الشخصيّة، وجزءًا من وعي النصّ بذاته. ويتّسع هذا الحضور ليشمل شكل المجموعة نفسه؛ فالبرقيّات تقوم على منطق الاختزال والتقاط اللحظة العابرة، وتعبّر عبارة "برقيّات مُسافِرة على جناح السرعة" عن طريقة سرديّة تمسك بالتجربة في لحظة خاطفة، فتلتقط إحساسًا أو موقفًا أو مفارقة، ثمّ تفتح أمام القارئ مجالًا لاستكمال ما وراءها. ومن هنا تكتسب كثرة النصوص القصيرة في الكتاب دلالتها الفنيّة، إذ تقوم المجموعة على تكثيف اللحظة وتحويلها إلى ومضة سرديّة قابلة للتأويل، بحيث تتجاور الحكاية مع البرقيّة، وتتقاطع الكتابة مع تجربة الشخصيّات، ويصبح الاختزال وسيلة لبلوغ أوسع مساحة ممكنة من المعنى بأقل قدر من السرد.
في قصّة "وشوشة" تتّخذ صورة الحبّ بعدًا أموميًّا وإنسانيًّا، حين تهمس الأمّ في أذن رضيعها: "أنت حبّي الأكبر وسط هذا الدمار الهائل"(سروجي-شجراوي، 2026، ص. 104). ثمّ ينفتح خيال الطفل على مكان عال "لا يسكنه حقد البشر". (سروجي-شجراوي، 2026، ص. 104)، فيغدو الطفل فضاء للحلم والأمل في مواجهة الخراب، وتتحوّل الأمومة إلى فعل حماية ورعاية ومقاومة هادئة عبر منح الطفل لغةً تقوم على الحبّ وسط عالمٍ تحاصره لغة العنف. ومن هذا المنظور تتخذ الطفولة حضورًا دلاليًّا بارزًا في المجموعة؛ فهي تفتح للكاتبة مجالًا لاستكشاف براءة الإنسان ومواجهة قسوة الواقع، وتغدو في بعض النصوص أداة فنيّة تكشف مفارقات العالم المحيط. ويتجلّى ذلك بوضوح في قصّة "الدبّابة الحزينة"، حيث يقدّم الأب لابنه، الذي لم يتجاوز الخامسة، دبّابة كبيرة مع فريقين من الجنود، ويدعوه إلى اختيار فريقه واستخدام الدبّابة لإطلاق القذائف على الفريق الآخر، آملًا أن تكون اللعبة "لهوًا وتسلية كبيرة" (سروجي-شجراوي، 2026، ص. 139). وينفتح هذا المشهد على مفارقة عميقة؛ فاللعبة تستحضر عالم الحرب في وعي الطفل، بينما يحوّل خيال الطفل الدبّابة نفسها إلى شخصيةٍ تتأمّل مصير المعارك. وعندما يسألها عن أحوال الحرب في أرجاء الأرض، تخفض خرطومها وتتوارى تحت سريره، فتنتقل الحكاية إلى منطقة الغرائبيّ، ويتحوّل الخيال إلى أداة نقديّة تكشف عبث الحرب وتعيد ترتيب العلاقة بين الضحيّة وأداة العنف. وهنا تتشكّل مفارقة ذكيّة: الدبّابة التي تمثّل القوّة والخوف تجد نفسها في موقع الخائف، فتغدو صورة ساخرة ومكثّفة لعالمٍ صنعت فيه أدوات الحرب لتخويف الإنسان، ثمّ وجدت صورتها في الخيال خائفة من نتائجها.
ويكتسب العنصر الغرائبي في بعض نصوص المجموعة وظيفة تتجاوز الدهشة إلى تعميق المعنى وتكثيفه، إذ تتيح الكاتبة من خلاله إعادة تشكيل الواقع بصورة تكشف طبقاته الخفيّة وتمنح التجربة الإنسانيّة أبعادًا رمزيّة أرحب. ويتجلّى هذا التوظيف بوضوح في قصّة "الشظيّة"، حيث يبدأ المشهد ببرد قارس وامرأة وطفل ملقيين على الأرض وسط تجاهل المارّة، ثمّ يقترب الراوي منهما، فتصيبه شظيّة تدفعه إلى الاستلقاء بجانبهما، وهناك يشعر "بدفء إنساني فقدته منذ زمن"، قبل أن تأتي الجملة الختاميّة المكثّفة: "ينطفئ العالم" (سروجي-شجراوي، 2026، ص. 105). وتتجاور في هذه النهاية صورتان متناقضتان: دفء الإنسان وانطفاء العالم؛ فالشظيّة، بوصفها أثرًا للحرب، تقود الراوي إلى اكتشاف دفء إنساني غائب، بينما يقترب العالم في اللحظة ذاتها من الانطفاء. وتنبع قوّة النص من هذه المفارقة التي تمنح الألم معنى إنسانيًّا يتجاوز الحدث المباشر، كما تكشف عن قدرة الكاتبة على بناء أثر سرديّ واسع من مشهد محدود العناصر. ويعزّز ذلك اقتصاد سرديّ يقوم على اللمحة والإيحاء؛ فالأرض الموحلة، والجسد الملقى، والشظيّة، ثمّ الجملة الأخيرة، تكفي جميعها لبناء مشهد مكتمل الأثر، وهو ما يجعل القصّة نموذجًا دالًّا على إمكانات التكثيف في القصّة القصيرة جدًّا.
أمّا في قصّة "قبل منتصف الليل"، فيتحوّل الاقتصاد السردي إلى أداة فاعلة في بناء التوتّر وتصعيد الإحساس بالخوف، إذ تستيقظ المرأة على صوت خطوات غليظة في درج العمارة، وتحاول تفسيرها ضمن المألوف، ثمّ تتوالى الهمهمات والقهقهات القريبة، لتتحدّد لحظة البداية بدقّة حين تشير الساعة إلى "تمام الحادية عشرة وعشرين دقيقة" مع سماع الخطوات الثقيلة وهي تدبّ على الدرج. (سروجي-شجراوي، 2026، ص. 106). ويكتسب الزمن هنا وظيفة سرديّة تتجاوز تحديد اللحظة؛ فالدقائق تتحوّل إلى وحدات للانتظار، وتضع القارئ داخل حركة تصاعديّة تشبه العدّ التنازلي الذي يوحي به عنوان الكتاب، فيما تتدرّج الأصوات من الهمهمات إلى القهقهات ثمّ الصيحات، التي تصفها الكاتبة بأنّها "نشازًا يوجع القلب قبل الأذن". (سروجي-شجراوي، 2026، ص. 107). ومن خلال هذا التصعيد يتشكّل الرعب من انتظار المجهول وترقّب ظهوره، فيكتسب الغائب غير المرئي حضورًا سرديًّا يوازي حضور الأشياء المحسوسة، بل يتفوّق عليه في صناعة التوتّر. ويتعزّز هذا الإحساس عبر حسّيّة الوصف ودقّة التفاصيل؛ ففي مشاهد "قبل منتصف الليل" تتكشّف آثار زائري الليل من خلال الأكواب البلاستيكيّة، والسائل البنّي أو الأحمر، واللطخات الممتدّة على الدرج الرخامي الأبيض، وأعقاب السجائر، مقرونةً بشعور المرأة بالغثيان. (سروجي-شجراوي، 2026، ص. 113). وهكذا تتضافر حركة الزمن، وتصاعد الأصوات، وحضور الغائب، والتفاصيل البصريّة والحسيّة لتشكيل مناخ سرديّ يضع القارئ داخل التجربة النفسيّة للشخصيّة، ويحوّل المكان المألوف إلى فضاء مشحون بالترقّب والخطر.
ويتحوّل الوصف في هذه المشاهد إلى أداةٍ فاعلة في تشكيل الجوّ النفسي، إذ تقدّم الكاتبة آثار القذارة بتفاصيل حسّيّة تجعل القارئ يراها ويستشعر وطأتها كما تعيشها الشخصيّة، فيغدو الوصف جزءًا من بناء الانفعال السردي وتوجيه الإحساس بالمشهد. ومن هنا تتّسع القراءة نحو المكان بوصفه عنصرًا دلاليًّا فاعلًا في المجموعة؛ فالبيت والشارع والمحطّة والدرج والنافذة والحديقة ترتبط بالحالة النفسيّة للشخصيّات، وتكتسب قيمتها من علاقتها بالذاكرة والخوف والأمان والعزلة والألم. ففي "التفات" تصبح محطّة القطار فضاءً لاستعادة الماضي واستحضار سنوات الفراق، وفي "قبل منتصف الليل" يتحوّل الدرج إلى مسارٍ يتقدّم عبره الخطر ويصعد معه التوتّر، بينما يغدو المطبخ في "تكسير صحون" فضاء لممارسة طقس الألم وتفريغ المشاعر المكبوتة. وبهذا تتشكّل الأمكنة داخل النصوص وفق التجربة الداخليّة للشخصيّات، فيغدو المكان حاملًا للذاكرة ومشاركًا في إنتاج الدلالة. وتفتح هذه الوظيفة المجال أمام قراءة مكانيّة تكشف شبكة العلاقات التي تربط الشخصيّة بفضائها، ويتكامل معها حضور الزمن بوصفه مكوّنًا أساسيًّا في التجربة السرديّة؛ إذ تتقاطع في المجموعة أزمنة الطفولة والفراق والحرب والانتظار، إلى جانب زمن تستعيد فيه الشخصيّات ماضيها وتحاول الإمساك بما تركه من آثار في الذاكرة والوجدان.
ويعيدنا هذا إلى العنوان: "قبل منتصف الليل". فالزمن في هذا الكتاب يتجاوز حدود حركة العقارب، ليكون تجربة إنسانيّة شاملة. إنّه يمثّل ما فقدناه، وما ننتظره، وما نخشى وصوله. ولهذا يتجلّى عنوان الكتاب موفّقًا؛ لكونه يجمع بين الزمن والحالة النفسيّة في كلمتين.
ولا يمكن، في قراءة هذه المجموعة، إغفال حضور التكنولوجيا بوصفها مكوّنًا من مكوّنات التجربة الإنسانيّة المعاصرة؛ فهي تظهر في بعض النصوص وسيطًا جديدًا لحوار الإنسان مع ذاته ومع الآخرين، ومساحة للتواصل والتعويض النفسي في ظلّ هشاشة بعض العلاقات الأسريّة والإنسانيّة. ويمنح هذا الحضور المجموعة امتدادًا إلى فضاء معاصر تتداخل فيه العلاقات الإنسانيّة مع الوسائط التقنيّة، فتغدو التكنولوجيا جزءًا من الأسئلة المرتبطة بالوحدة والحاجة إلى التواصل والبحث عن الألفة، كما تكشف عن تحوّل أشكال القرب الإنسانيّ وتبدّل طرائق التعبير عن المشاعر والاحتياجات. وبهذا تتجاور في المجموعة الذاكرة والمكان والوسيط التقنيّ بوصفها فضاءات مختلفة تتشكّل داخلها علاقة الإنسان بذاته وبالآخر وبالعالم المحيط.
ومن الناحية الأسلوبيّة، تتّسم اللغة في معظم نصوص المجموعة بقربها من القارئ ووضوحها، مع انتقالها في لحظات معيّنة إلى لغةٍ تصويريّة عالية الكثافة، وهو تنوّع ينسجم مع تعدّد أشكال الكتاب واختلاف مناخاته. وتتفاوت النصوص كذلك في درجات الغموض والوضوح؛ فمنها ما يقوم على مشاهد مكثّفة وصادمة أو غرائبيّة، ومنها ما يستمدّ أثره من بساطة مألوفة تحمل في داخلها مفارقة ترسم ابتسامة خفيفة أو ساخرة. ويمنح هذا التنوّع المجموعة حيويّتها، إذ تتجاور فيها القصّة والبرقيّة والومضة والمفارقة ضمن نسيج سرديّ متعدّد النبرات، ويؤدّي في الوقت ذاته إلى تفاوت فنّي بين نصّ وآخر؛ فبعض القصص ينجح في ترك الصورة تؤدّي دلالتها بكامل طاقتها، بينما تميل نصوص أخرى إلى تفسير الفكرة عقب إيصالها عبر الصورة. وتزداد قيمة هذا الملمح في القصّة القصيرة جدًّا، حيث تحظى كلّ كلمة بوزن خاص، ويغدو اقتصاد السرد عنصرًا أساسيًّا في بناء الأثر. فكلّما اتّسعت المساحة التي يتركها النصّ للقارئ، وخفّ حضور الجمل التفسيريّة، ازدادت الصورة قدرة على الإيحاء وفتح مجال التأويل. وحين تبلغ الكاتبة هذا المستوى من التكثيف، تأتي النتيجة أكثر قوّة؛ فعبارة "ينطفئ العالم" في "الشظيّة" تختزل مأساة كاملة في جملة قصيرة، وعبارة "فانهارت الجدران التي تفصل عادةً ما بين الأجساد" في "التفات" تحوّل سنوات الفراق إلى صورة واحدة مكثّفة، بينما تكفي صورة القلم المكسور فوق الورقة البيضاء في "اندحار" لتجسيد عجز الشخصية عن استعادة الحبّ بالكلمات. (سروجي-شجراوي، 2026، ص. 194). وتكشف هذه النماذج عن واحدة من أكثر طاقات المجموعة حضورًا: قدرة الصورة المكثّفة على حمل معنى واسع، وترك أثر يتجاوز حدود العبارة ذاتها.
ويمكن القول: إنّ أبهى لحظات الكتاب تتجلّى حين تتقدّم الصورة على الشرح، وحين تترك الكاتبة للقارئ مساحة يشارك فيها في بناء الدلالة واستكمال ما وراء النصّ. ومن هنا تبرز النهايات بوصفها عنصرًا أساسيًّا في تشكيل أثر القصّة القصيرة؛ إذ تتنوّع طرائق إغلاق النصوص بحسب طبيعة التجربة التي تحملها. ففي "التفات" تأتي النهاية مفتوحة على الاحتمال، وفي "الشظيّة"تأتي صادمة ومكثّفة، وفي "وشوشة" تنفتح على أفق الخيال، بينما يتشكّل التحوّل في "تكسير صحون" بوصفه نتيجة لمسار الشخصيّة وتراكم تجربتها، ويتأسّس الأثر في "قبل منتصف الليل" على الانتظار وتصاعد التوتّر. ويمنح هذا التنوّع النهايات طاقة فنيّة تحافظ على حيويّة القراءة وتدفع القارئ إلى متابعة النصّ بوعي مختلف في كلّ تجربة. وتزداد قيمة النهاية حين تعيد تشكيل ما سبقها وتمنح التفاصيل السابقة دلالات جديدة، وهو ما يتحقّق بوضوح في "تكسير صحون"؛ فبعد انكشاف طفولة نائل وما تختزنه من ألم مكبوت، يعود القارئ ذهنيًّا إلى فعل تكسير الصحون ليراه من منظور جديد، فيتحوّل السلوك الذي بدا غريبًا في البداية إلى علامة على جرح داخلي عميق. وهنا تتجلّى قيمة المفاجأة الفنيّة؛ فهي تعيد ترتيب عناصر الحكاية في ذهن القارئ، وتمنح التفاصيل السابقة وظيفة دلاليّة جديدة، فتغدو النهاية جزءًا من عملية إعادة قراءة النصّ بأكمله.
ومن هذا المنطلق، نجد أنّ أروع قصص المجموعة تتمثّل في تلك التي تمتلك القدرة على تحويل الحدث البسيط إلى أثر عميق في نفس القارئ.
وحين ننظر إلى الكتاب نظرة شاملة، يطالعنا تنوّع النصوص وكثرتها؛ إذ يبدأ الفهرس بـ"امرأتان" في الصفحة 46، ثمّ تتوالى القصص والبرقيّات والومضات حتّى نصل إلى "وشوشة" و"الشظيّة" و"قبل منتصف الليل" و"التفات" و"تكسير صحون" و"ظلّ الحرف"، وصولًا إلى "اندحار" في الصفحة 194. ويمنح هذا التنوّع الكتاب غنىً واضحًا، ويكشف في الوقت ذاته عن تحدّ فنيّ يتمثّل في المحافظة على التوهّج السردي عبر عدد كبير من النصوص، مع اختلاف أحجامها وأشكالها ونبراتها. وتستدعي الأمانة النقديّة الإشارة إلى تفاوت المستوى الفنّي بين نصّ وآخر، وهو أمر مألوف في المجموعات التي تتعدّد نصوصها وتتنوع طرائق بنائها؛ فبعض النصوص يبلغ درجة عالية من التكثيف، بينما يقوم بعضها على الفكرة أو المفارقة أو الرمز أو التوظيف الغرائبي. وتكتسب المجموعة قيمتها الأبرز من إطارها الكلّي، ومن الصوت السردي الذي يتشكّل عبر هذا التنوع، ومن شبكة الاهتمامات التي تتكرّر بأشكال مختلفة، وفي مقدّمتها الإنسان والمرأة والطفولة والحبّ والفقد والحرب والذاكرة والوحدة واللغة والكتابة والتكنولوجيا والحلم. وتتقاطع هذه الموضوعات جميعها في سؤال إنساني مركزي يتوزّع على امتداد النصوص: كيف يصوغ الإنسان حياته في ظلّ ما فقده؟ وكيف يجد سبيلًا للتكيّف مع واقع تتجاوز بعض تحوّلاته قدرته على التغيير؟ وكيف يحافظ على جذوة البراءة والحلم في عالم مثقل بالقسوة؟ وكيف يبني صلته بالآخر ويستعيد دفء التواصل حين تصبح اللغة والصمت معًا جزءًا من تجربته؟
ومن خلال هذه الأسئلة، تتشكّل وحدة المجموعة في مستوى أعمق من وحدة الموضوع؛ فهي وحدة الحساسيّة تجاه الإنسان، ووحدة النظر إلى ما يجري خلف التفاصيل الصغيرة من مشاعر وذكريات ورغبات ومخاوف.
ونصل هنا إلى خلاصة أساسيّة في قراءتنا؛ إذ تتشكّل وحدة الكتاب في حساسيّته العميقة تجاه الإنسان، وفي رؤيته المتّحدة للشخصيّات على الرغم من تنوّع أشكال النصوص ومواقفها. فالكاتبة تتّجه إلى الشخصيّات العاديّة التي تحمل تحت سطح حياتها اليوميّة عوالم خفيّة، وتكشف عبرها طبقات متعدّدة من الذاكرة والرغبة والخوف والحنين. ويتأكّد هذا الملمح عبر نصوص المجموعة؛ فالإنسان لدى كلارا سروجي-شجراوي يعيش غالبًا بين ظاهر هادئ وداخل مضطرب، وتشكّل المسافة بين هذين المستويين أحد الأبعاد السرديّة البارزة في الكتاب.
قد يبدو نائل رجلًا غريب الأطوار، وتتوارى خلف غرابته طفولة أجبرت على كبت البكاء. وقد تبدو المرأة في "التفات" أمام لقاء عابر، بينما تختزن اللحظة وراءها عشرين عامًا من الفراق. وتتبدّى لعبة الطفل في "الدبّابة الحزينة" مشهدًا من مشاهد التسلية، بينما تحضر خلفها ظلال الحرب. ويبدو فنجان القهوة في "اندحار" تفصيلًا يوميًّا بسيطًا، فيما تتحرّك خلفه مخاوف عميقة من زوال السعادة واقتراب الرحيل. وهكذا تتّضح وظيفة التفاصيل في المجموعة؛ فهي تكشف ما يستقرّ خلف الظاهر، وتحول الأشياء والمواقف اليوميّة إلى علامات على تجارب إنسانيّة أوسع.
ولهذا يمكن النظر إلى "قبل منتصف الليل" بوصفها تجربة قصصيّة تسعى إلى التقاط الحالات الإنسانيّة في لحظاتها الدقيقة، عبر مجموعة من القصص والبرقيّات والومضات القصيرة التي تتجاور في أشكالها وتتقاطع في حساسيتها تجاه الإنسان. وقد يظهر تفاوت في البناء والتكثيف بين نصّ وآخر، كما تستفيد بعض القصص من مزيد من الاختزال ومنح القارئ مساحة أوسع للمشاركة في إنتاج الدلالة، غير أنّ هذه الملاحظات تظلّ ضمن طبيعة المجموعة المتنوّعة، ولا تحجب قيمتها العامّة ولا ملامح صوتها السردي الخاص.
وتبرز أبهى ملامح المجموعة في قدرتها على تحويل التفاصيل اليوميّة إلى إشارات إنسانيّة شاسعة؛ فالصحن يستحيل ألمًا، والقطار يغدو ذاكرة، والشظيّة تتحوّل إلى لحظة لاكتشاف الدفء، والدبّابة تصبح سؤالًا عن الحرب، والقلم المكسور يجسّد العجز عن استعادة الحبّ، والحرف يتحوّل إلى سؤال عن الهويّة. وتدفع هذه القدرة القارئ إلى العودة إلى الكتاب بقراءة ثانية؛ إذ تكتسب التفاصيل التي مرّ بها في القراءة الأولى دلالات جديدة حين ينظر إليها في ضوء النصوص الأخرى، فتتشكّل بين القصص شبكة من الإيحاءات والصلات التي تمنح المجموعة وحدتها العميقة.
وفي المحصّلة، تتجلّى قيمة "قبل منتصف الليل" في كشفها عن كاتبة تمتلك حسًّا عاليًا بالتفاصيل الإنسانيّة، وتجيد تحويل الموقف البسيط إلى سؤال جوهري، وجعل الشيء الصغير مدخلًا إلى أفق واسع من الدلالة. وهي كتابة تقترب من القارئ، وتزخر بالصور والرموز والمفارقات، وتتحرّك بين الواقعي والغرائبي، وبين الحكاية والبرقيّة والومضة، وبين السخرية والألم، وبين الكلام والصمت، وبين الأمل واليأس. ومع تنوّع النصوص وتفاوت مستوياتها الفنّيّة، تحتفظ المجموعة بصوت سردي واضح وحساسيّة خاصّة تجاه الإنسان وتجاربه الداخليّة.
ومن هذا المنظور، تظلّ مجموعة "قبل منتصف الليل" أثرًا جديرًا بالقراءة والنقاش؛ لما تتيحه نصوصه من تأمّل في الإنسان، في خوفه وحبّه وذاكرته وخسارته ووحدته ومحاولاته الدائبة للنجاة. وتكتسب هذه القراءة قيمتها حين تتجاوز الاحتفاء بصدور عمل جديد إلى مساءلة ما يقدّمه الكتاب من تجربة جماليّة ورؤية إنسانيّة.
ولعلّ أجمل ما ينطبع في الذاكرة بعد إغلاق الكتاب هو ذلك الفضاء الذي اتّخذه عنوانًا له: "قبل منتصف الليل". فعقب الوصول إلى الصفحة الأخيرة، يستمرّ أثر الحكايات؛ تبقى "التفات" بما تحمله من سنوات الفراق، ويظلّ نائل شاخصًا أمام صحونه المكسورة، ويستمرّ الطفل في تأمّله للدبّابة الحزينة، وتبقى الأمّ حاضنة لرضيعها وسط الدمار، ويظلّ الرجل والمرأة في "اندحار" أمام فنجان القهوة مع اقتراب لحظة الرحيل.
ويبقى، قبل كلّ شيء، سؤال الإنسان عن نفسه: كيف يحافظ المرء على إنسانيّته في عالم يضعه باستمرار أمام الخوف والفقد والغياب؟ ولعلّ الكتاب يقدّم إجابته من خلال شخصيّاته العاديّة؛ إذ يبحث كلّ منها عن سبب للاستمرار عبر الحبّ والذاكرة والكلمة والطفولة والفنّ والخيال، وصولًا إلى الصمت. وهنا تتجلّى خصوصيّة تجربة كلارا سروجي-شجراوي في "قبل منتصف الليل": تجربة قصصيّة تضع الإنسان في مركز الحكاية، وتحول التفاصيل الصغيرة إلى أسئلة كبيرة، وتترك القارئ، بعد الصفحة الأخيرة، أمام مساحة مفتوحة من التأمّل والتأويل.
المرجع:
سروجي-شجراوي، كلارا (2026)، قبل منتصف الليل: قصص قصيرة وبرقيّات مُسافِرة على جناح السرعة، حيفا، مكتبة كلّ شيء – حيفا ناشرون.
الطيرة – 15.8.2026
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency