من يتابع حركة السياسة في واشنطن خلال الأشهر الأخيرة يلحظ تحوّلاً لافتاً في ميزان الاهتمام الأمريكي بين لاعبين إقليميين لطالما تنافسا على موقع متقدم في العقل السياسي للبيت الأبيض: إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو، وتركيا بقيادة رجب طيب أردوغان. هذا التحول لا يأتي من فراغ، بل هو نتيجة تراكمات سياسية، عسكرية، وشعبية، جعلت مكانة نتنياهو تتآكل في الولايات المتحدة، في الوقت الذي ترتفع فيه أسهم تركيا كلاعب إقليمي لا يمكن تجاهله.
تراجع مكانة نتنياهو في واشنطن ليس مجرد انطباع عابر، بل هو واقع تعكسه استطلاعات الرأي الأمريكية التي تُظهر انخفاضاً غير مسبوق في التأييد الشعبي لإسرائيل، خصوصاً بين الشباب والناخبين الديمقراطيين. حتى أن نصف الأمريكيين أيّدوا اعتقال نتنياهو خلال زيارته الأخيرة، وهو مؤشر على أن صورة “الحليف الذي لا يُمسّ” لم تعد قائمة. هذا التراجع الشعبي ينعكس مباشرة على حسابات الإدارة الأمريكية، التي باتت ترى العلاقة مع نتنياهو عبئاً سياسياً داخلياً أكثر مما هي رصيد إستراتيجي.
إلى جانب ذلك، تتعمّق الخلافات بين نتنياهو وإدارة ترمب حول الملف الإيراني. فبينما يدفع نتنياهو نحو توسيع الحرب، يسعى ترمب إلى خفض التصعيد والعودة إلى طاولة التفاوض. إسرائيل التي كانت شريكاً كاملاً في صياغة السياسة الأمريكية تجاه إيران، أصبحت اليوم “تابعاً متمرداً” يضغط في اتجاه لا ترغب واشنطن في السير فيه. هذا التحول أفقد نتنياهو نفوذه التقليدي في البيت الأبيض، وجعل استقباله الأخير بارداً إلى حدّ غير مسبوق، بلا بروتوكول ولا رمزية سياسية.
في المقابل، تصعد تركيا بثبات في واشنطن. فالعلاقة بين ترمب وأردوغان تشهد تقارباً متزايداً، يتجلى في ملفات إقليمية عديدة، وفي استعداد الإدارة الأمريكية لإعادة فتح ملف بيع مقاتلات F‑35 لأنقرة رغم الاعتراض الإسرائيلي. هذا القرار، إن تمّ، سيكون بمثابة شهادة ثقة أمريكية في تركيا، ورسالة واضحة بأن واشنطن ترى فيها قوة إقليمية صاعدة تستحق الاستثمار السياسي والعسكري.
تركيا اليوم ليست مجرد دولة ذات ثقل جغرافي، بل قوة عسكرية وصناعية تتوسع بسرعة. صناعتها الدفاعية، خصوصاً في مجال المسيّرات، أصبحت لاعباً مؤثراً في معادلات الحرب الحديثة. وجودها في سوريا، ونجاحها في ملء الفراغ الذي تركته إيران في بعض الساحات، جعلها منافساً مباشراً لإسرائيل في ميزان القوى الإقليمي. هذا الصعود يثير قلق نتنياهو، الذي يحاول شيطنة تركيا في الإعلام الغربي، ويدّعي أن أردوغان يسعى لإحياء “الإمبراطورية العثمانية”. لكن خلف هذا الخطاب، يكمن إدراك إسرائيلي بأن تركيا باتت لاعباً لا يمكن تجاهله في واشنطن.
التحول الأمريكي بين إسرائيل وتركيا يعكس إعادة تشكيل أولويات واشنطن في الشرق الأوسط. الولايات المتحدة لم تعد ترى إسرائيل بوصفها الشريك الوحيد القادر على حماية مصالحها، بل باتت تبحث عن شركاء يمتلكون أدوات القوة على الأرض، ويستطيعون التأثير في ساحات الصراع دون أن يجرّوها إلى حروب لا تريدها. تركيا، في هذا السياق، تبدو خياراً عملياً أكثر من إسرائيل التي تعيش أزمة قيادة، وتراجعاً في صورتها الدولية، وانقساماً داخلياً عميقاً.
ما يجري اليوم ليس مجرد تبدّل في المزاج السياسي الأمريكي، بل إعادة رسم لخريطة النفوذ الإقليمي. نتنياهو يخسر نقاطاً في واشنطن، بينما تكسب تركيا نقاطاً جديدة. وبين هذا وذاك، تتغير قواعد اللعبة في الشرق الأوسط، وتتبدل موازين القوى، في مشهد لا يزال في بدايته، لكنه يحمل دلالات عميقة على مستقبل المنطقة ودور اللاعبين فيها.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency