أمةٌ تدين بدينٍ واحد، وتتحدث لغة واحدة، فكيف عجزت عن العيش المشترك؟

صالح نجيدات
نُشر: 07/08/26 08:09

ما أشد المفارقة! أمةٌ يجمعها دين واحد، ولغة واحدة، وكتاب واحد، ورسول واحد، ومع ذلك تعيش حالة من الانقسام والصراع لم تعرفها أمم كثيرة من قبل تختلف في كل شيء.

لقد كان من المفترض أن تكون هذه القواسم المشتركة بين الشعوب العربية مصدر قوة ووحدة، وأن تشكل أساسا لبناء قوة تحمي نفسها ومصالحها وبناء حضارة راسخة، غير أن الواقع يكشف عن صورة مؤلمة؛ فبدل أن تكون الوحدة عنوانا لهذه الأمة، أصبح الانقسام سمةً بارزة في كثير من أقطارها، وأصبحت الخلافات السياسية والمذهبية والعرقية تُستغل لإشعال الفتن وإضعاف المجتمعات. اليوم صراع بين السعودية والعراق ,سوريا والعراق , لبنان حدث بلا حرج اليمن والسعودية الجزائر والمغرب وغيرها وغيرها من أقطار .

وإذا نظرنا إلى العلاقات بين عدد من الدول العربية والإسلامية في مراحل مختلفة، نجد أن الخلافات السياسية والصراعات الإقليمية كثيرا ما ألقت بظلالها على مصالح الشعوب، وأضعفت التعاون الاقتصادي والثقافي، وفتحت الأبواب أمام تدخلات دول الاستعمار التي لا تزدهر إلا في بيئة الانقسام والفرقة العربية من اجل نهب ثرواتها .

وعلى الجانب الآخر، نجد دولا متعددة الأعراق والديانات واللغات استطاعت أن تبني أوطانا مستقرة. فالهند على سبيل المثال تضم مئات اللغات واللهجات، وتتنوع فيها الديانات والمعتقدات، ومع ذلك نجحت في بناء دولة ومؤسسات تسعى إلى إدارة هذا التنوع. وكذلك الصين تضم قوميات وثقافات متعددة، وسنغافورة مثال آخر لدولة يعيش فيها أتباع ديانات وأعراق مختلفة في إطار من النظام والقانون، مما أسهم في نهضتها الاقتصادية والعلمية والحضارية.

إن هذه التجارب تؤكد أن التعددية ليست سببا حتميا للصراع، كما أن وحدة الدين أو اللغة لا تكفي وحدها لتحقيق الاستقرار إذا ساد الجهل والتعصب وغابت العدالة، وسيادة القانون، وثقافة احترام الإنسان والوعي الوطني والانتماء للوطن .

أما أمتنا العربية والإسلامية، فهي تمتلك من عوامل الوحدة ما لا تمتلكه أمم كثيرة؛ فنحن نؤمن بالله الواحد، ونقرأ القرآن الكريم والإنجيل ، ونصوم شهر رمضان، ونحج إلى بيت الله الحرام. ورغم ذلك، ما زلنا نعاني من الانقسام والتنازع، وتستنزف طاقاتنا في صراعات داخلية كان الأولى أن تُوجه نحو العلم والتنمية وبناء الإنسان وهذا كله بسبب القيادات الفاسدة .

ولا شك أن من أخطر أسباب هذا الواقع استغلال الدين لتحقيق مكاسب سياسية أو شخصية. فهناك من يوظف الخطاب الديني لإثارة الأحقاد، أو لتبرير العنف، أو لتأجيج الانقسامات، بينما الدين الإسلامي بريء من هذه الممارسات، فهو دين الرحمة والعدل والإحسان، لا دين الكراهية والاقتتال.

كما أن التعصب الأعمى ، والطائفية والمذهبية والقبلية ، وتقديم الولاءات الضيقة والمحسوبيات على مصلحة الأمة، كلها عوامل ساهمت في تمزيق النسيج الاجتماعي، حتى أصبح الأخ يخاصم أخاه بسبب الانتماء أو المذهب أو الحزب، في حين أن أعداء الأمة لا يفرقون بين هذا وذاك، بل يرون في تفرقنا فرصة لتعزيز نفوذهم وتحقيق مصالحهم بنهب ثروات امة العرب .

إن نهضة الأمة لن تتحقق بالخطب الرنانة، ولا بالشعارات التي تلهب المشاعر ثم تخبو، وإنما تتحقق ببناء الإنسان، ونشر التعليم، واحترام العقل، وترسيخ قيم الحوار والتسامح، وتطبيق العدالة على الجميع، ومحاربة الفساد، وإعلاء قيمة المواطنة، بحيث يكون الانتماء للوطن والأمة فوق كل انتماء ضيق.

لقد علمنا التاريخ أن الأمم لا تسقط بسبب قلة مواردها، بل بسبب انقسامها، وأن الوحدة لا تعني إلغاء الاختلاف، بل تعني إدارة الاختلاف بالحكمة والعدل والاحترام المتبادل.

إننا اليوم أحوج ما نكون إلى مراجعة صادقة لأنفسنا، وإلى مشروع نهضوي يعيد للأمة ثقتها بذاتها، ويجعل الدين قوةً للأخلاق والعمل والإصلاح، لا وسيلة للتنازع والتكفير والاقتتال.

قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾.

فهل نترجم هاتين الآيتين إلى واقع عملي، أم نبقى ندفع ثمن الفرقة جيلاً بعد جيل؟

إن مستقبل أمتنا لن تصنعه الخلافات، بل سيصنعه العلم والمعرفة، والعدل، والوحدة، والعمل والإخلاص والوفاء ، واحترام الإنسان، لأن الحضارات لا تُبنى بالأحقاد، وإنما تُبنى بالعقول والضمائر الحية والانتماء للوطن .

الدكتور صالح نجيدات

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة