أمّ الفحم تحتضن ندوةً أدبيّةً لتأبين الشّاعر أحمد سليم محاميد وإشهار ديوانه "زفرات مهموم"

كل العرب
نُشر: 06/08/26 21:56,  حُتلن: 21:57

في أجواءٍ تفيضُ بعبقِ الوفاءِ وأريجِ الكلمةِ الصّادقةِ، احتضنَ مركزُ العلومِ والفنونِ في مدينةِ أمِّ الفحمِ ندوةً أدبيّةً وثقافيّةً بهيّةً. وجاءت هذه الاحتفاليّةُ بتنظيمٍ مُتقنٍ من مبادرةِ "أنصارِ الضّادِ" بالتّعاونِ مع المركزِ، لتأبينِ الشّاعرِ الرّاحلِ أحمد سليم محاميد، والاحتفاءِ بإشهارِ ديوانِهِ النّفيسِ "زفرات مهموم" .

وانطلقَ هذا الحدث الأدبيّ الثّقافيُّ تحتَ شِعارٍ يخلّدُ الإبداعَ: "وإذا ماتَ الشّاعرُ، لم يَمُتِ القَصيدُ"؛ ليُؤكّدَ القائمونَ عليهِ أنَّ اللّقاءَ ليسَ رثاءً باكيًا، بل هو احتفاءٌ نابضٌ بالحياةِ لإرثٍ أدبيٍّ وازنٍ. وتولّى عرافةَ النّدوةِ وإدارةَ دفّتِها باقتدارٍ الكاتبُ والباحثُ الدّكتور محمّد عدنان جبارين، الّذي رحّبَ بضيوفِ الكلمةِ، من أهلِ الأدبِ، وحُماةِ الضّادِ، وعُشّاقِ الشّاعرِ.

وافتُتِحَتِ الجلسةُ بكلماتٍ نديّةٍ لامست شغافَ القلوبِ، مؤكّدةً أنَّ حروفَ الشّاعرِ الرّاحلِ قد سكنتْ في دمائِهِ، وأنَّ ديوانَهُ لم يكنْ مجرّدَ أوراقٍ صُفّتْ، بل "زفراتٌ" صعدتْ من أعماقِ روحٍ تَيَّمَها عشقُ اللّغةِ العربيّةِ حتّى الثّمالةِ. وأجمعَ الحاضرونَ على أنَّ ذكرى الشّاعرِ ستظلُّ أثرًا باقيًا ما بقيتْ لغةُ الضّادِ فينا، مُشيدينَ برجلٍ صاغَ من همومِهِ قناديلَ تُضيءُ دروبَ الأدبِ.

وفي مُستهلِّ برنامجِ اللّقاءِ، وضمنَ فقرةِ "استهلالٍ ووفاءٍ"، كانَ للأسرةِ الكريمةِ حضورُها البهيُّ الّذي انقسمَ إلى شطرينِ؛ فبدأَ الحاجّ راسم أبو سليم بإلقاءِ التّحيّةِ وترحيبٍ حارٍّ بالحضورِ الكريمِ الّذي جاءَ مُلبّيًا نداءَ الوفاءِ، مُعبّرًا عن عميقِ الامتنانِ لكلِّ من تجشّمَ عناءَ الحضورِ لمشاركتِهم هذا الحدثَ الجللَ.

وتلاهُ في الشّطرِ الثّاني من كلمةِ العائلةِ، السّيّدُ بلال أحمد سليم، نجلُ الشّاعرِ، ليُمثّلَ امتدادًا أصيلاً للأمانةِ الّتي تركَها والدُهُ. وقد أفاضَ السّيّدُ بلال بمكنونِ الذّكرياتِ وعطرِ الأبوّةِ الّذي لم يغبْ، كونه الشّاهدَ الحقَّ على "زفراتِ" والدِهِ والّذي عاشَ تفاصيلَها، شاكرًا كلَّ الجهودِ الّتي بُذلتْ لإحياءِ هذا الإرثِ العظيمِ.

وعقبَ ذلكَ، أبحرتِ النّدوةُ في عوالمِ القراءاتِ النّقديّةِ والأدبيّةِ، فكانتِ الانطلاقةُ مع الباحثةِ والشّاعرةِ إيمان مصاروة، الّتي قدّمتْ قراءةً جمعتْ بينَ دفءِ القلبِ وحصافةِ العقلِ. واستعرضتْ مصاروة ديوانَ "زفرات مهموم" في صفحاته المشرقة وقصائده المتنوّعة، مُشيرةً إلى انتمائِهِ لتيّارِ الشّعرِ الإسلاميِّ الملتزمِ الّذي تتقاطعُ فيهِ الهمومُ الدّينيّةُ والقوميّةُ والاجتماعيّةُ.

وتعمّقتْ مصاروة في دلالةِ العنوانِ؛ مبيّنةً أنَّ "زفرات مهموم" يُحيلُ إلى أنينٍ داخليٍّ أعمقَ من الصّرخةِ؛ ليُؤطّرَ تجربةً شعريّةً تنبثقُ من همٍّ مزمنٍ ووجعٍ مكتومٍ. كما سلّطتِ الضّوءَ على محاورِ الدّيوانِ المتنوّعةِ؛ مؤكّدةً التزامَ الشّاعرِ بالقصيدةِ العموديّةِ ذاتِ الإيقاعِ الخليلِيِّ، إلى جانبِ حضورٍ لافتٍ لقصيدةِ التّفعيلةِ في بعضِ النّصوصِ.

ولم تغفلِ الباحثةُ عن تسجيلِ وقفاتٍ نقديّةٍ جوهريّةٍ، مُلاحظةً طغيانَ النّبرةِ الخطابيّةِ والمباشرةِ في بعضِ القصائدِ على حسابِ التّصويرِ والإيحاءِ، إلّا أنّها استدركتْ بالإشادةِ بلحظاتٍ شعريّةٍ مُضيئةٍ حلّقَ فيها الشّاعرُ بعيدًا في سماءِ الإبداعِ والتّفرّدِ. وخلصتْ إلى أنَّ الدّيوانَ يحملُ رسالةً واضحةً وموقفًا فكريًّا راسخًا يحوّلُ الهمَّ إلى صورةٍ مرئيّةٍ تسكنُ الوجدانَ.

ثمَّ برزت الدّكتورةُ أماني حمد، الأكاديميّةُ والباحثةُ المُتألّقةُ، لتُقدّمَ قراءةً أكاديميّةً ورؤيةً نقديّةً سبرتْ أغوارَ النّصِّ. وكشفتْ د. حمد عن وعيٍ شعريٍّ عميقٍ لدى الرّاحلِ، وقدرةٍ فذّةٍ على بناءِ هيكلٍ فنّيٍّ مُحكمٍ يُواجهُ واقعًا عربيًّا مُثقلاً بالتّمزّقِ والانقسامِ؛ إذ رسمتْ قصائدُهُ خارطةَ الوطنِ المشروخةَ بمدادٍ من الأسى واللّوعةِ.

وأوضحتْ الدّكتورةُ حمد أنَّ الشّاعرَ وظّفَ الثّنائيّاتِ الضّدّيّةَ؛ كالأملِ والألمِ، والاتّساعِ والضّيقِ، ببراعةٍ لافتةٍ لتكثيفِ المعنى وبلورتِهِ. وأشادتْ باحتفاءِ الدّيوانِ بالقيمِ الإنسانيّةِ العُليا من خيرٍ وحقٍّ وجمالٍ؛ لتكونَ هذهِ القيمُ بمثابةِ بوصلةٍ أخلاقيّةٍ وجماليّةٍ تهدي رؤيتَهُ الشّعريّةَ وتمنحُها أفقًا إنسانيًّا فسيحًا.

وتابعتْ قراءتَها مُبيّنةً أنَّ التّجربةَ الشّعريّةَ في الدّيوانِ ترصدُ مرارةَ الاغترابِ والإحساسَ بالعجزِ والخُذلانِ أمامَ مشهدِ التّفتّتِ. وبيّنتْ كيفَ استعانَ الشّاعرُ بعالمِ الاستعارةِ والمجازِ لنسجِ صورٍ فنّيّةٍ نابضةٍ بالحياةِ؛ تُجسّدُ مُفارقةً مؤلمةً بينَ الجذورِ الأصيلةِ للعروبةِ وواقعِها المُعاصرِ المُتشظّي.

وكانَ لمبادرةِ "العربيّة لغتنا" صوتُها الصّادحُ عبرَ مُمثّلِها الدّكتور رضا إغباريّة، الّذي أشارَ إلى التّطابقِ المُذهلِ بينَ عنوانِ الدّيوانِ ومضمونِهِ المُفعمِ بالآهاتِ النّابعةِ من قلبٍ مهمومٍ بمصيرِ أمّتِهِ. واستعرضَ طيفًا واسعًا من الموضوعاتِ الّتي تناولَها الشّاعرُ، بدءًا من رثاءِ الغوالي، مرورًا بالقرى المُهجّرةِ كاللّجونِ، وصولاً إلى قضايا الأمّةِ الكبرى والدّفاعِ المُستميتِ عن لغةِ الضّادِ.

وأضاءَ الدّكتور إغباريّة زوايا نقديّةً مُدهشةً؛ مُتوقّفًا عندَ قصيدةِ "خدعتني لحيتُهُ" بما تحويهِ من حكمةٍ ودعابةٍ ناقدةٍ، ومُسلّطًا الضّوءَ على غزارةِ "التّناصِّ" في الدّيوانِ كجسرٍ يربطُ الماضي العريقَ بالحاضرِ المرير. كما لفتَ الانتباهَ إلى ذكاءِ الشّاعرِ في تطعيمِ قصائدِهِ ببعضِ المفرداتِ العامّيّةِ الفلسطينيّةِ الأصيلةِ؛ ليُضفيَ مسحةً من الفكاهةِ تُخفّفُ من وطأةِ الألمِ المُسيطرِ على النّصوصِ.

وتكلّلتِ المُشاركاتُ النّقديّةُ بإضاءةٍ قيّمةٍ من الباحثِ والنّاقدِ محمّد علي سعيد، الّذي فكّكَ بخبرتِهِ العميقةِ خبايا التّجربةِ الشّعريّةِ للإبداعِ المُقدّمِ، وتحدّث عن علاقته بالشّاعر مِن لحظة وصول نسخة ديوانه إلى وفاته.

 وفي هذا السّياقِ، انبرى عريفُ النّدوةِ ومديرُ دفّتِها، الدّكتور محمّد عدنان جبارين؛ ليُزجيَ شكرًا جزيلًا للحضورِ الكريمِ على تلبيتِهم النّداءَ، وللمشاركين الأشاوس من عائلة الشّاعر ومن الأدباء والشّعراء والنّقّاد، خاصًّا بثناءٍ عاطرٍ وتكريمٍ معنويٍّ الأستاذَ مُصطفى كبها، الّذي أشرفَ بحرصٍ وعنايةٍ على الدّيوانِ، وتابعَ مراحلَ كتابتِهِ؛ مُثريًا إيّاهُ بإضاءاتِهِ ومُلاحظاتِهِ الأصيلةِ، ومُتوّجًا وفاءهُ بقصيدةِ رثاءٍ عصماءَ جادتْ بها قريحتُهُ في رثاءِ الشّاعرِ الفقيدِ.

وفي مسكِ الخِتامِ، عُقِدتْ فقرةُ تكريمٍ مهيبةٍ؛ إذ قدّمتْ مبادرة "أنصارُ الضّادِ" درعَ الوفاءِ لعائلةِ الشّاعرِ الرّاحلِ الّتي صعدتْ إلى المنصّةِ لاستلامِهِ، في لفتةٍ تُرسّخُ معاني العرفانِ والتّقديرِ، وقدّم الأستاذ نضال عصام جبارين صورة لمدينة أمّ الفحم بعدسته تعكس أصالة المدينة وعراقتها في لفتة صادقة وإهداء عظيم. واختُتِمتِ النّدوةُ بالتّأكيدِ على أنَّ زفراتِ الشّاعرِ قد هدأتْ في مرقدِهِ، لكنَّ صداها المُشعَّ سيبقى يتردّدُ إلى الأبدِ في أروقةِ الأدبِ وميادينِ الضّادِ؛ مُجدّدةً العهدَ والوفاءَ لمن جعلَ العربيّةَ مأواهُ ومُنتهاهُ.

وتتقدّم عائلة الشّاعر ومبادرة "أنصار الضّاد" إلى إدارة مركز العلوم والفنون بأمّ الفحم  حاضنة الإبداع وواحة الثّقافة بآيات الشّكر العاطرة والعرفان الصّادق، وإلى السّيّدة وجدان محاجنة، والأستاذ رائد كسّاب على الدّور الأصيل، والجهود المباركة، والمتابعة الحثيثة الّتي كانت الرّكيزة الأساسيّة في إنجاح هذه النّدوة الأدبيّة والتّأبينيّة؛ تخليدًا لسيرة الشّاعر الرّاحل وإرثه العطر.

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة

توقعات الطقس للمدن
آخر تعديل: الجمعة 07 / أغسطس 05:02
جاري التحميل...
المدينة البلد درجة °c الوصف الشعور كأنه (°C) الأدنى / الأقصى الرطوبة (%) الرياح (كم/س) الشروق الغروب