جليليٌّ أنا

زهير دعيم
نُشر: 05/08/26 12:12

ولا أقولها انتسابًا إلى أرضٍ فحسب ، بل الى عهدٍ  مع التراب الذي تعلّم أن يحمل خطى القداسة ، ومع الهواء الذي ما زال يحتفظ بعطر الصلاة ، ومع الجبال التي ردّدت صدى الكلمة قبل أن تعرفها المدن.
أنا من الجليل... حيث تتعانق الروابي مع السماء ، فتبدو كلُّ تلةٍ كأنها مذبحٌ صغير، وكلُّ دربٍ صلاةٌ تسير على قدمين . 
هنا .... للحجارة ذاكرة ، وللأشجار تسبيحات ، وللنسيم حكاياتٌ يهمس بها للسنابل والزيتون  والرّمُان. 
ومن الناصرة عروس جليلنا أستمدُّ نبضي ؛ هذه  البلدة  التي لم تتباهَ بعظمة القصور، بل بعظمة التواضع . هناك، حيث صار البيت البسيط مهدًا للبشارة ، وصارت الطاعة الصامتة بابًا لخلاص العالم. 
هناك تعلّم القلب أن الله لا يختار الضجيج ، بل الهدوء الذي يُثمر نورًا ، ولا يفتّش عن العروش، بل عن القلوب المستعدّة لأن تقول : ها أنا 
واروح أمشي في الجليل وتلال عبلين وما حولها ، فأشعر أنَّ الجبال ليست صخورًا صامتة ، بل شواهد حيّة على تاريخٍ مرَّ من هنا ، وعلى أقدامٍ باركت الدروب ، وعلى وجوهٍ أضاءها الرجاء. كلُّ وادٍ يحمل ذكرى ، وكلُّ قمةٍ تحفظ صلاة ، وكلُّ غروبٍ يكتب على صفحة السماء ،  أنَّ المجدَ الحقيقيَّ يولد من المحبة ، لا من القوة  .
ولعلّ هذا ما تعلّمتُه من الربّ المُحبّ : أن أفتّش عن الله في كل شيء ؛ في نسمةٍ تعبر الكروم ، وفي طفلٍ يضحك بين الحقول ، وفي هَرِمٍ  يروي للحفداء  أمجاد الجليل ، وفي جرس كنيسةٍ يرنّ قائلًا : أُحبّكم مَن تكونون  وكيف تكونون فأنتم على صورةِ الله ومِثاله .
جليليٌّ أنا...
وفي الجليل لا يُقاس الانتماء بالحدود  بل بالمحبة. ولا تُحفظ الهوية بالشعارات بل بالوفاء لذاكرة الأرض ، وبخدمة الإنسان ، وبالإيمان الذي يترجم نفسه رحمةً وعدلًا وسلامًا.
فإذا سألني أحدهم: من أنت؟
أجيب، وفي القلب امتنانٌ لا ينتهي: أنا ابنُ عبلين ابنة الجليل ... أنا ابنُ الروابي التي زيّنها التاريخ ، وابن الجبال التي تعطّرت بالقداسة ، والأرض التي علّمت العالم أن النور قد يبدأ من قريةٍ صغيرة ، لكنه قادرٌ أن يبدّد ظلمة المسكونة  .
جليليٌّ أنا... وما دمتُ أحمل هذا الإرث في قلبي ، فسأظلُّ أؤمن أن المحبة هي أعلى القمم ، وأن القداسة أجملُ ما يُزهر في تراب الجليل.

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة