لا تُقاس عظمة الفنان بعدد المعارض التي أقامها ،ولا بعدد اللوحات التي باعها ،بل بقدرته على تغيير نظرة الفن إلى ذاته. وهذا ما حققته الفنانة الجزائرية باية محيي الدين ،التي دخلت تاريخ الفن العالمي وهي في السادسة عشرة من عمرها ،قبل أن تعرف الجزائر نفسها حجم الموهبة التي أنجبتها.
ولدت باية سنة 1931 في برج الكيفان بالجزائر، وعاشت اليتم مبكرًا بعد وفاة والديها، لتنتقل إلى بيت سيدة فرنسية كانت تجمع التحف والأعمال الفنية. هناك لم تتلقَّ دروسًا في الرسم، ولم تدخل أكاديمية للفنون، لكنها أمسكت الفرشاة كما لو أنها تعرفها منذ ولادتها. لم تكن ترسم وفق قواعد المنظور أو التشريح أو مدارس الانطباعية والتكعيبية، بل كانت ترسم عالمها الداخلي؛ نساءً بملابس زاهية، وطيورًا، وأزهارًا، وآلات موسيقية، في تكوينات يغلب عليها الحلم أكثر من الواقع.
لفتت أعمالها انتباه الناقد والفنان الفرنسي إيميه ماغ، الذي نظم لها سنة 1947 معرضًا في باريس وهي لم تتجاوز السادسة عشرة. كان حدثًا استثنائيًا في الوسط الفني الأوروبي، إذ وجد النقاد أنفسهم أمام فنانة لم تتعلم الرسم أكاديميًا، لكنها تمتلك لغة بصرية متماسكة وشخصية مستقلة.
في تلك الفترة، كان بابلو بيكاسو يعيش أوج شهرته، وقد زار معرض باية وأبدى إعجابه بأعمالها، ثم دعاها للعمل في مرسمه بمدينة فالوريس أثناء انشغاله بفن الخزف. لم يكن الأمر مجرد لقاء بين رسام مشهور وفتاة موهوبة، بل كان اعترافًا بأن الفن لا يولد دائمًا داخل الأكاديميات الأوروبية، وأن الموهبة قادرة على فرض نفسها مهما كان منشؤها.
وقد لاحظ مؤرخو الفن أن بعض أعمال بيكاسو اللاحقة، خاصة تلك التي تناولت الشخصيات النسائية والألوان الزاهية، حملت تقاطعات بصرية مع عالم باية، وهو ما جعل اسمها حاضرًا في كثير من الدراسات التي تناولت تلك المرحلة، مع الحرص على التمييز بين الإعجاب المتبادل وبين الادعاء بتأثير مباشر لا يمكن الجزم به تاريخيًا.
لكن ما يجعل تجربة باية استثنائية ليس علاقتها ببيكاسو، بل قدرتها على الحفاظ على هويتها الفنية. ففي زمن كان كثير من الفنانين من المستعمرات يسعون إلى تقليد المدارس الأوروبية، بقيت هي وفية لذاكرتها الجزائرية والمتوسطية. لم ترسم أوروبا لتنال اعترافها، بل رسمت الجزائر كما كانت تراها بعينيها، فجاء الاعتراف إليها من أوروبا نفسها.
إن قوة باية تكمن في أنها لم تقدم لوحات سياسية رغم أنها عاشت حقبة الاستعمار، لكنها مارست نوعًا آخر من المقاومة؛ مقاومة الذوبان الثقافي. لقد أثبتت أن الفنان القادم من الجنوب ليس مجرد تلميذ للحضارة الغربية، بل يمكن أن يكون شريكًا في صناعة الحداثة الفنية العالمية.
واليوم، تُعرض أعمال باية في متاحف ومجموعات فنية مرموقة، وتُعد إحدى أهم الفنانات في تاريخ الفن الحديث في إفريقيا والعالم العربي. ومع ذلك، لا يزال اسمها أقل تداولًا في الفضاء العربي مما يستحق، في مفارقة تكشف أن العالم قد يكتشف كنوزنا قبل أن نلتفت نحن إليها.
إن الحديث عن باية ليس استحضارًا لسيرة رسامة جزائرية فحسب، بل تذكير بأن الجزائر لم تُنجب رجال السياسة والثورة فقط، بل أنجبت أيضًا مبدعين استطاعوا أن يخاطبوا الإنسانية بلغة تتجاوز الكلمات... لغة اللون.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency