حين يتكيف العالم مع المأساة

رانية مرجية
نُشر: 29/07/26 12:18

"أمي… هل سنعود إلى البيت قبل أن يبدأ العام الدراسي؟"

سؤال طفل يبدو عابرًا، لكنه يختصر مأساة كاملة. لا تعرف الأم كيف تجيب. فالبيت الذي خرجت منه قد لا يكون قائمًا، والمدرسة قد لا تفتح أبوابها، والطريق التي قادتهما إلى النزوح قد تفرض عليهما رحلة جديدة. تضم طفلها إليها وتمضي، فيما يحمل كل منهما تعريفًا مختلفًا لكلمة “العودة”.

ليس هذا مشهدًا استثنائيًا، بل صورة تتكرر بوجوه وأسماء مختلفة. وفي كل مرة، لا يُنتزع من الإنسان جزء من أرضه فحسب، بل جزء من يقينه أيضًا. فالحروب الطويلة لا تدمر الأمكنة وحدها، بل تزعزع الإحساس بأن للحياة إيقاعًا طبيعيًا يمكن الوثوق به.

لذلك، قد لا تكون أخطر نتائج الصراع الفلسطيني الإسرائيلي اليوم حجم الدمار، على فداحته، بل ذلك التحول الهادئ الذي يجعل غير الطبيعي يبدو مألوفًا، والاستثناء يبدو قاعدة، والمأساة جزءًا من الروتين اليومي.

في غزة، أصبح المؤقت أسلوبًا للحياة. خيمة يُفترض أنها محطة عابرة، وإيواء طارئ يطول، ومساعدات تُقدم على أمل أن تنتهي الحاجة إليها سريعًا. لكن الزمن يفعل ما تفعله الحروب أحيانًا؛ فما يطول بقاؤه يفقد صفته المؤقتة، ويصبح واقعًا يعيد تشكيل حياة الناس، ويخفض سقف أحلامهم من بناء المستقبل إلى النجاة بيوم آخر.

وفي الضفة الغربية، يتخذ هذا التحول شكلًا مختلفًا. لا يحدث دفعة واحدة، بل عبر تراكم التفاصيل: حاجز يغيّر مسار يوم، وطريق يُغلق، وأرض يصبح الوصول إليها أكثر صعوبة، وقرية تعيد تنظيم حياتها وفق قيود جديدة. كل تفصيل يبدو صغيرًا بمفرده، لكن اجتماع التفاصيل هو الذي يغيّر ملامح الحياة، ويجعل التكيف مع الاستثناء شرطًا للاستمرار.

المشكلة ليست في قدرة الإنسان على التكيف؛ فهذه غريزة تحفظ الحياة. المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا التكيف إلى بديل عن الحل، وعندما يصبح الاعتياد على الأزمة إنجازًا بحد ذاته. عندها لا تتغير حياة الناس فقط، بل تتغير أيضًا توقعاتهم لما هو ممكن وما هو مستحق.

وربما يكون هذا هو التحول الأخطر في وظيفة السياسة. فقد أصبحت تُقاس، في كثير من الأحيان، بقدرتها على احتواء تداعيات الصراع، لا بقدرتها على إنهائه. ولم يعد النجاح يعني فتح أفق لتسوية سياسية، بل منع الانهيار الكامل، وتأجيل الانفجار التالي. وهكذا، ينخفض سقف الممكن تدريجيًا، حتى تصبح إدارة الأزمة هدفًا، بينما يتراجع البحث عن حلها.

ولا يقلل هذا من أهمية الجهود الإنسانية، فهي تنقذ أرواحًا وتخفف معاناة لا تحتمل. لكن العمل الإنساني، مهما اتسع، لا يستطيع أن يؤدي وظيفة السياسة. فالخيمة ليست بديلًا عن البيت، والمساعدات ليست بديلًا عن اقتصاد قادر على الحياة، ووقف إطلاق النار، مهما كان ضروريًا، ليس بديلًا عن مسار سياسي يعالج أسباب تجدد العنف.

ولعل ما يدعو إلى القلق أن العالم نفسه بات أكثر كفاءة في إدارة نتائج الأزمات من قدرته على منعها. تُعقد المؤتمرات، وتُرصد الأموال للإغاثة وإعادة الإعمار، وتُبحث ترتيبات مؤقتة، بينما يبقى السؤال الأصعب مؤجلًا: كيف يمكن كسر الحلقة التي تعيد إنتاج المأساة مرة بعد أخرى؟

التاريخ يخبرنا أن الصراعات قد تطول، لكنه يخبرنا أيضًا أن أخطر ما تفعله ليس عدد سنواتها، بل قدرتها على إعادة تعريف ما يعتبره الناس طبيعيًا. فعندما يصبح النزوح خبرًا مألوفًا، وانتظار المساعدات جزءًا من الحياة اليومية، والحديث عن جولة قتال جديدة أمرًا متوقعًا، لا تكون الحرب قد غيّرت الخرائط وحدها، بل غيّرت الوعي أيضًا.

لهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل حديث عن ترتيبات أمنية أو إعادة إعمار ليس كيف نجعل هذا الواقع أقل قسوة، بل كيف نمنع تحوله إلى واقع دائم يعتاده الجميع.

لأن أخطر انتصارات الحروب الطويلة ليست تلك التي تُقاس بما تسيطر عليه من أرض، بل بما تنجح في تغييره داخل الإنسان؛ حين تجعل المستحيل يبدو طبيعيًا، وتجعل انتظار النهاية أسلوبًا للحياة.

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة