زيارة بلا اختراق… ورسائل بلا مضمون

محمد دراوشة
نُشر: 29/07/26 11:37

في زيارته الأخيرة في الأمس إلى البيت الأبيض، حاول بنيامين نتنياهو أن يعيد رسم صورة العلاقة مع الإدارة الأمريكية، بعد أشهر من التوترات التي خرجت إلى العلن وأثّرت على التنسيق السياسي والعسكري بين الطرفين. ورغم أن الصور التي خرجت من اللقاء حملت شيئاً من الدفء، فإن هذا الدفء بدا أقرب إلى أداء بروتوكولي منه إلى تعبير عن انسجام حقيقي. فالفجوة بين الطرفين أعمق بكثير مما تسمح به لغة المجاملات الدبلوماسية، وهي فجوة حاول كل طرف تغطيتها بعبارات عامة لا تغيّر من الواقع شيئاً.

التحليلات الأمريكية التي تابعت الزيارة قدّمت قراءة مختلفة عمّا حاولت تل أبيب تسويقه. فالإدارة الأمريكية دخلت الاجتماع وهي مثقلة بضغوط داخلية متراكمة، أبرزها تداعيات الحرب مع إيران التي تحوّلت إلى عبء سياسي على البيت الأبيض. الرئيس ترامب، الذي يستعد لمرحلة انتخابية حساسة، يبحث عن أي مساحة لتهدئة المشهد، لا عن مغامرات جديدة قد تزيد من الاحتقان الداخلي. لذلك، بدا واضحاً أن اللقاء بالنسبة لواشنطن لم يكن منصة لإطلاق مبادرة أو صياغة استراتيجية مشتركة، بل محاولة لإعادة ضبط الإيقاع ومنع أي انزلاق غير محسوب قد ينعكس مباشرة على الداخل الأمريكي. التركيز كان على إدارة الأزمة، لا على حلّها، وعلى احتواء التوتر لا على معالجته.

أما القراءة الأكثر واقعية وربما أكثر تشكيكاً فتظهر المشهد الإقليمي الأكثر تعقيداً من أن يُعالج في لقاء واحد، خصوصاً في ظل غياب رؤية مشتركة واضحة بين واشنطن وتل أبيب. ملفات المنطقة – من لبنان إلى غزة، ومن مسار التطبيع إلى الحرب المفتوحة مع إيران – أصبحت متشابكة إلى حدّ يجعل أي محاولة لتقديم حلول سريعة أقرب إلى الوهم السياسي. لذلك، ظهرت الزيارة في الخطاب العربي كخطوة تكتيكية تهدف إلى الحفاظ على الحد الأدنى من التنسيق، دون تقديم أي حلول ملموسة أو تغييرات في قواعد اللعبة الإقليمية. إنها زيارة لإدارة الوقت، لا لإدارة المستقبل.

ولا يمكن تجاهل أن نتنياهو دخل الاجتماع وهو يحمل هدفاً داخلياً واضحاً: تعزيز صورته كزعيم قادر على إدارة العلاقة مع واشنطن رغم الخلافات. فالمشهد السياسي الإسرائيلي يعيش حالة اضطراب، ونتنياهو بحاجة إلى أي إنجاز خارجي يمكن أن يقدّمه لجمهوره. لكن القراءة الواقعية تكشف أن هذا الهدف لم يتحقق. فالإدارة الأمريكية لم تمنحه ما يمكن أن يُسوّقه كاختراق، ولم تُظهر استعداداً لتقديم مكاسب سياسية يمكن أن تُترجم في الداخل الإسرائيلي. كل ما خرج به نتنياهو هو صور وتصريحات عامة، لا تغيّر شيئاً في الواقع السياسي الذي يحاصره.

اللافت في هذه الزيارة أنها جاءت في لحظة إقليمية حساسة، حيث تتقاطع الأزمات وتتداخل الملفات بطريقة تجعل أي خطوة غير محسوبة ذات تكلفة عالية. ومع ذلك، لم يحمل اللقاء أي مؤشرات على تغيير في النهج أو على استعداد لفتح مسارات جديدة. الطرفان اكتفيا بتكرار مواقف معروفة، دون تقديم رؤية مشتركة أو خطة عمل واضحة. وكأن الهدف كان مجرد إظهار أن التواصل قائم، حتى لو كان بلا مضمون.

في المحصلة، الزيارة كانت أشبه بوقفٍ مؤقت لإطلاق النار السياسي بين الطرفين. لا اتفاقات جديدة، ولا رؤى مشتركة، ولا اختراقات في الملفات العالقة. مجرد إدارة للأزمات، ومحاولة لتأجيل الانفجار السياسي والدبلوماسي إلى موعد لاحق. الطرفان يدركان أن الخلافات عميقة، لكنهما اختارا تأجيل مواجهتها بدلاً من حلّها.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: في لحظة تحتاج فيها المنطقة إلى قرارات جريئة ورؤى استراتيجية بعيدة المدى، اكتفى الطرفان برسائل مطمئنة بلا مضمون، وبخطاب سياسي يهدف إلى تهدئة الداخل أكثر مما يهدف إلى معالجة الخارج. زيارة بلا اختراق، ونتائج بلا تأثير، ورسائل بلا جديد… وهذا ما يجعلها محطة عابرة غير هامة في مسارٍ يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم.

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة