يشهد العالم اليوم ثورة تكنولوجية غير مسبوقة، غيّرت أساليب الحياة والعمل، وأحدثت نقلة نوعية في مجالات الأمن والتحقيق الجنائي. فقد أصبحت الكاميرات الذكية، والأقمار الصناعية، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، وتقنيات التعرف على الوجوه، وأجهزة تتبع الاتصالات، أدوات متقدمة تساعد أجهزة القانون الجنائي ورجال الامن على كشف كثير من الجرائم والوصول إلى مرتكبيها بسرعة ودقة أكبر مما كان عليه الحال قبل عقود.
إن الأقمار الصناعية الحديثة، إلى جانب شبكات كاميرات المراقبة المنتشرة في المدن والطرق والمرافق العامة، توفر كما هائلا من المعلومات والصور التي يمكن أن تساعد المحققين في إعادة بناء مسار الأحداث وتتبع حركة المشتبه بهم. كما أن الهواتف الذكية، أصبحت جميعها عناصر أساسية في التحقيقات الجنائية المعاصرة.
وتتداول وسائل الإعلام منذ سنوات قصصا عن قضايا قديمة أُعيد فتحها بعد تطور التكنولوجيا، حيث ساهمت صور أرشيفية من الأقمار الصناعية أو تقنيات حديثة في كشف تفاصيل لم يكن بالإمكان الوصول إليها وقت وقوع الجريمة. وهذا يبين إلى أي مدى تطورت وسائل التحقيق مقارنة بما كانت عليه قبل ثلاثين عاما.
وقد أشار عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم إلى أن الجريمة ظاهرة اجتماعية لا تختفي تماما من أي مجتمع، وأن وجودها يرتبط بطبيعة المجتمعات البشرية وتطورها , ويقول ان الحكومات بحاجة لوجود الجرائم لان بسبب وجود الجرائم تبني الحكومات السجون ومؤسسات رعاية الأحداث وتوظيف آلاف من السجانين ومن رجال الشرطة وتوظيف القضاة والنيابة العامة والعمال الاجتماعيين والمحامين وغيرهم من الموظفين . ويناقش بعض الباحثين أيضا أن الدول توازن بين تخصيص الموارد لمكافحة الجريمة وبين احتياجات عامة أخرى، لذلك فإن القدرة التقنية على تقليل بعض الجرائم لا تعني بالضرورة إمكانية القضاء عليها نهائيا.
وبالنسبة لمعالجة الجرائم في مجتمعنا تستطيع الشرطه اذا ارادت استعمال هذه الاجهزة والتقنيات باكتشاف الجرائم بسرعة كبيرة , ولكن للاسف تتقاعس عن ذلك نتيجة لسياسة مقصودة قد يكون ما ذكره دوركايم احد الاسباب .
إن التكنولوجيا وحدها لا تكفي للقضاء على الجريمة، مهما بلغت درجة تطورها. فالجريمة تبدأ غالبا من خلل في التربية، أو الفقر، أو الإدمان المخدرات ومشروبات الكحول، أو غياب العدالة الاجتماعية ، أو ضعف الوازع الديني والأخلاقي. ولذلك فإن الحل الحقيقي يكمن في الجمع بين الأمن الفعال، والتربية السليمة، والتعليم، وتوفير فرص العمل، وتعزيز العدالة الاجتماعية، إلى جانب الاستفادة من أحدث التقنيات في التحقيق والردع.
إن الاستثمار في التكنولوجيا الأمنية أصبح ضرورة في عصرنا، لكنه يجب أن يسير جنباً إلى جنب مع الاستثمار في تربية الإنسان. فالمجتمع الذي يربي أبناءه على احترام القانون، ويحارب الفقر والجهل والإدمان المخدرات ، سيكون أقل عرضة للجريمة، حتى قبل تدخل أجهزة الأمن.
وأخيرا وليس آخرا ، يمكن القول إن التكنولوجيا الحديثة أصبحت سلاحاً بالغ القوة في كشف الجرائم وتعقب مرتكبيها، لكنها ليست بديلا عن بناء مجتمع تسوده العدالة الاجتماعية والأخلاق والقيم وسيادة القانون. فحين تجتمع التكنولوجيا مع التربية والعدالة، يصبح المجتمع أكثر أمنا واستقرارا، ويقترب من الحد من الجريمة وحماية الإنسان وكرامته.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency