لقد أصبح الإنسان عديم الإحساس بما يحدث لأخيه الإنسان، وأصبحنا نعيش في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتزايد فيه مشاهد العنف والجريمة، حتى كأنها تحولت إلى أخبار عابرة لا تثير في النفوس ما كانت تثيره سابقًا من ألم أو تعاطف. وهذا يدفعنا إلى التساؤل بقلق: هل فقد الإنسان شيئا من إنسانيته؟ وهل أصبح عديم الإحساس بما يحدث لأخيه الإنسان؟
أنا من جيل كان يتفاعل مع ما يجري في مجتمعه وفي العالم أجمع، ويشعر بآلام الآخرين كما يشعر بآلامه الشخصية. كنا نحزن لوقوع المظالم، ونفرح لانتشار الخير، وكانت قيم الرحمة والتكافل والشهامة وحب المساعدة جزءا أصيلا من حياتنا اليومية. أما اليوم، فقد تبدلت كثير من المفاهيم، وتراجعت هذه القيم أمام سطوة الحياة المادية وضغوطها المتزايدة.
لقد طغت المادة على الروح، وضعفت المشاعر الإنسانية، وتراجعت الشهامة وعزة النفس، وأصبح كثير من الناس مشغولين بمصالحهم الخاصة، بينما تزايدت مظاهر التعصب والكراهية والعنف والجريمة. ومع كثرة ما نشاهده من صور القتل والدمار والاعتداءات عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل، أصبح البعض يتعامل معها وكأنها أمر اعتيادي، وهو أمر يدعو إلى القلق؛ لأن اعتياد رؤية المآسي قد يؤدي إلى تبلد المشاعر وفقدان الإحساس بمعاناة الآخرين.
ولا شك أن وسائل الاتصال الحديثة، رغم ما قدمته من فوائد كبيرة في تقريب المسافات وتسهيل التواصل، قد ساهمت في بعض الأحيان في إضعاف التواصل الإنساني المباشر داخل الأسرة والمجتمع. فأصبح اللقاء الحقيقي أقل، والحوار الدافئ أندر، وضعفت الروابط الاجتماعية التي كانت تغذي مشاعر المحبة والتراحم والتعاون.
إن غياب الشعور الإنساني لا يبرر الجرائم، لكنه قد يكون من العوامل التي تجعل ارتكابها أسهل عند من فقدوا الرحمة والضمير. فالإنسان الذي يحتفظ بقيمه الإنسانية يصعب عليه أن يؤذي غيره أو يعتدي على حقه أو يسلبه أمنه وكرامته. ولذلك فإن بناء الإنسان أخلاقيا وتربويا لا يقل أهمية عن بناء المجتمعات اقتصاديا أو علميا.
لقد ظلمنا الأجيال الحالية والأجيال الصاعدة عندما تركناها تواجه وحدها عالما يمتلئ بالقلق والإحباط والخوف على المستقبل، في ظل تراجع دور الأسرة والمؤسسات التربوية والثقافية في غرس قيم الرحمة والتسامح واحترام الإنسان. إن أبناءنا بحاجة إلى القدوة الحسنة، وإلى تربية تعزز الحوار والاحترام والمسؤولية، لا إلى ثقافة العنف والكراهية والإقصاء.
إنني أرفض كل أشكال العنف والقتل والقهر ومحاولات إقصاء الآخر أو تهميشه، مهما كانت الذرائع والمبررات. فالاختلاف بين البشر سنة من سنن الله ، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى سبب للكراهية أو الاعتداء، بل يجب أن يكون دافعا للحوار والتفاهم والتعاون.
وسأظل أؤمن بأن السلام والمحبة والإخاء الإنساني هي الطريق الحقيقي لبناء مجتمع آمن ومستقر. فالمجتمعات لا تُبنى بالقوة والعنف، وإنما تُبنى بالعدل، والرحمة، واحترام كرامة الإنسان، ونشر ثقافة التسامح والتكافل. وعندما نستعيد إنسانيتنا، ونربي أبناءنا على التعاطف والرحمة ومساعدة المحتاج واحترام الآخر، سنكون قد وضعنا الأساس لمجتمع أكثر أمنا واستقرارا، ولعالم تسوده المحبة والسلام بدلا من الخوف والكراهية.
فالإنسانية ليست شعارا نردده، بل سلوك نمارسه في تعاملنا مع الناس، ورحمة نحملها في قلوبنا، ومسؤولية نؤديها تجاه كل إنسان، مهما كان دينه أو قوميته أو لونه أو انتمائه.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency