كلامٌ ومصطلحاتٌ نقولها لأبنائنا تشجع على التنمر والعنف

صالح نجيدات
نُشر: 21/07/26 13:58

تبدأ التربية بالكلمة، فالكلمات التي يسمعها الطفل في بيته تتحول مع مرور الزمن إلى قناعات وسلوكيات. ومن هنا يكمن الخطأ الكبير في كثير من أساليب تربيتنا، إذ إننا – من حيث لا ندري – نغرس في نفوس أبنائنا بذور العنف والتنمر، ونحن نظن أننا نعدهم لمواجهة الحياة.

فكم من أب أو أم يردد على مسامع أبنائه عبارات مثل: "كن ذئبًا حتى لا تأكلك الذئاب"، أو "كن رجلًا حتى تهابك الرجال"، أو "اللي حيطه واطي كل الناس بتنطّه"، أو "لا تخله يرفع رأسه عليك"، أو "من أساء إليك وطّي راسه"، أو "اضربه إذا ضربك"، أو "خذ حقك بيدك". وقد تطلب الأم من طفلها في الروضة أن يرد الضربة بمثلها، معتقدة أنها تعلمه الدفاع عن نفسه، بينما هي في الحقيقة ترسخ في داخله ثقافة الانتقام بدل الحوار، والعنف بدل التسامح.

إن هذه العبارات والأمثال الشعبية، مهما حسنت نية قائلها، تحمل رسائل خطيرة، فهي توحي بأن القوة هي الوسيلة الوحيدة لنيل الاحترام، وأن التسامح ضعف، وأن الرجل الحقيقي هو من يخيف الآخرين، لا من يحترمهم ويكسب محبتهم. وهكذا ينشأ الطفل وهو يعتقد أن العدوان وسيلة مشروعة لإثبات الذات.

وعندما تصبح هذه الثقافة جزءا من التربية اليومية في البيوت، فماذا نتوقع من المجتمع؟ إننا سنرى مزيدا من التنمر والعنف، وثقافة إقصاء الآخر، والتعصب العائلي والطائفي، والكراهية التي تتخفى خلف شعارات مختلفة. ويزداد الأمر خطورة مع انتشار تعاطي المخدرات والمشروبات الكحولية بين بعض الشباب، وازدياد حمل الأسلحة غير المرخصة والمفرقعات، واستعمال السكاكين والعصي في المشاجرات، حتى أصبح بعض الشباب يحتفظون بها في سياراتهم وكأنها وسيلة طبيعية لإثبات القوة والهيبة.

كما أن الفكرة المتجذرة في أذهان كثيرين، وهي أن الرجل العنيف هو الرجل الذي يهابه الناس، تمثل إحدى أخطر العقبات أمام بناء مجتمع آمن ومتسامح. فالاحترام الحقيقي لا يُفرض بالخوف، وإنما يُكتسب بالأخلاق، والحكمة، وضبط النفس، والعدل في التعامل مع الآخرين.

إن معالجة العنف لا تبدأ فقط من العقوبات أو من أجهزة إنفاذ القانون، بل تبدأ أولا من البيت، ومن اللغة التي نخاطب بها أبناءنا، ومن القيم التي نغرسها في نفوسهم. فالكلمة قد تبني إنسانا متسامحا، وقد تصنع إنسانا عدوانيا.

لذلك، نحن بحاجة إلى مراجعة كثير من الأفكار والممارسات التربوية الموروثة، واستبدالها بثقافة قائمة على الحوار، والاحترام، والتسامح، والتعاون، وقبول الآخر. كما أننا بحاجة إلى برامج تربوية وثقافية في المدارس والمؤسسات المجتمعية، تعزز مهارات حل النزاعات بالحوار، وتنبذ التنمر والعنف، إلى جانب إعادة تأهيل من يتبنون السلوك العدواني، وتطبيق القانون بحزم على كل من يمارس العنف أو يهدد أمن المجتمع.

إن بناء مجتمع متماسك وآمن يبدأ من تربية الطفل على أن القوة الحقيقية ليست في البطش، بل في التحكم بالغضب، وأن الشجاعة ليست في إيذاء الآخرين، بل في احترامهم، وأن التسامح ليس ضعفا، بل هو أرقى درجات القوة الإنسانية.

فلنراجع كلماتنا قبل أن ننطق بها، لأن أبناءنا يتعلمون منا أكثر مما يتعلمون من الكتب، والكلمة التي نزرعها اليوم قد تكون سلوكًا يحكم مستقبل مجتمعنا غدا.

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة