الانتخابات في زمن الحرب ....!

هاني العقاد
نُشر: 18/07/26 14:25

لم اكن أتصور ان عضو برلمان يمكن  ان يبقي في البرلمان عشرين عاما ولم يُنتخب الا مرة واحدة ,ولم اكن أتصور ان شعب يكافح من اجل الحرية والاستقلال من حقها الانتخابي على مدار عشرين عاما وعندما كان يقول احد ان أعضاء التشريعي الفلسطيني لم يعودوا شرعيين كانت الدنيا تقوم ولا تقعد رغم ذلك اصدر الرئيس مرسوم رئاسي بحل المجلس التشريعي في ديسمبر 2018 استناداً لحكم المحكمة الدستورية الفلسطينية وحينها قامت الدنيا ولم تقعد حتي ان لغة المعارضة الوحيدة كانت ان لا شرعية لم اصدر مرسوم حل المجلس التشريعي لكنه أصبح نافذاً في الضفة وغير نافذ في غزة لان حكومة حماس  في غزة لم تلتزم بالمرسوم الرئاسي حتي قبل حرب أكتوبر 2023  . اليوم وبعد عشرون عاما وفي ظل حرب إبادة وحشية طالت الفلسطينيين في غزة وحرب ضم وتوسع استيطاني في الضفة يصدر الرئيس أبو مازن  المرسوم الثاني ليحدد يوم السبت 28 نوفمبر لأجراء الانتخابات التشريعية ويحدد الربع الأول من العام 2027 لأجراء الانتخابات الرئاسية ,كما واعلن ان اجراء انتخابات المجلس الوطني سيكون في الأول من نوفمبر 2026 . كان الرئيس قد اصدر في 15 يناير 2021 المرسوم الثالث لسنة 2021 وكان قد حدد  موعد الانتخابات التشريعية قبل ذلك في 22 مايو 2021 وحدد موعد الانتخابات الرئاسية في 31 يوليو 2021 وحدد استكمال تشكيلة في 31 أغسطس 2021 ,الا انه في 30 ابريل اصدر الرئيس مرسوم رئاسي اخر يقضي بتأجيل الانتخابات الي أجل  غير مسمي بسبب عدم سماح الاحتلال اجراء الانتخابات في القدس العاصمة .

اليوم في زمن حرب الإبادة في غزة والتطهير العرقي في القدس والضم الصامت وحرب الاستيطان والحرب على الشرعية الفلسطينية تم تحديد موعد جديد للانتخابات التشريعية و الرئاسية من جديد ,البعض يساوره الشك في إمكانية تنفيذ هذه الانتخابات حسب المرسوم الرئاسي بالتاريخ والزمان المحددين ,والبعض الاخر من الأطراف التي يعجبها بقاء الحال على ما هو عليه  يتسألوا كيف يمكن اجراء انتخابات عامة في زمن الحرب ..؟ وأخرون من أصحاب المولات السياسية يرفضوا الانتخابات لأنه لا يعجبهم التعديلات الاخيرة التي أجريت على النظام الانتخابي ويشككوا في إمكانية الوصول اليها ويعترضوا على شروط الترشح للانتخابات التشريعية واهمها الإقرار والاعتراف ببرنامج منظمة التحرير الفلسطينية ويعتبروا ان هذا  شطب للمعارضة الفلسطينية وخاصة تلك الفصائل التي لم تنضوي تحت إطار (م ت ف) لانا تريد إبقاء مولاتها السياسية مفتوحة لتبيع  الوهم لشعب يبحث عن مخرج من حالة الانقسام التى اخذت الجميع في غزة الي حرب طاحنة هي عبارة عن مقصلة وضعت رقاب الالاف من المدنيين عليها , فقد أودت بحياة الألاف ودمرت اكثر من 85 % من البنية المدنية لقطاع غزة وبالتالي لم يكن قرار الحرب قرار فلسطيني جامع بل قرار فصيل فلسطيني خارج اطار (م ت ف) الممثل الشرعي الوحيد للفلسطينيين. تحديات كبيرة تواجه اجراء الانتخابات التشريعية اليوم في غزة على وجه التحديد بسبب استمرار حرب الإبادة وتقسيم غزة الي قسمين وبسبب الدمار الواسع الذي لحق بالمدن الفلسطينية حتى ان مدن الشمال ورفح وخانيونس مسحت من على وجه الأرض وبات ما يقارب 2 مليون فلسطيني يعيشوا في مخيمات نزوح لا تتوفر لهم فيها ادني مقومات الحياة الكريمة.  اما القدس فلها شأن أخر لان إسرائيل من المؤكد لن تسمح بأجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية في القدس العربية وسوف لا تتدخل الولايات المتحدة او الاتحاد الأوروبي لأجل اقناع إسرائيل بالسماح للفلسطينيين بأجرائها على الأقل لان هذه الانتخابات تجري اليوم بطلب وإصرار امريكي أوروبي كجزء من الإصلاحات المطلوبة من الفلسطينيين.

إجراء الانتخابات في زمن الحرب ليس ترفاً ولا فائض ديموقراطية ولكنه قد يكون خطوة اوليه لأنهاء الانقسام الأسود  وتثبيت للهوية الفلسطينية على الأرض الفلسطينية وخاصة ان مجمل الحروب التي تشن الان على الفلسطينيين في غزة والضفة والقدس هي حروب على الكينونة السياسية والهوية السياسية الفلسطينية وحروب على الجغرافيا والديموغرافيا التي تعتقد إسرائيل انها من خلالها تستطيع تغير الهوية السياسية للفلسطينيين ، لان اسرائيل لا تريد ان يكون للفلسطينيين أي تمثيل سياسي يتحدث باسمهم سواء على الأرض الفلسطينية او امام منابر الشرعية الدولية ,ولعل هذه الانتخابات تعتبر تجديد للشرعيات الثلاثة شرعية السلطة الفلسطينية ومؤسسة الرئاسة وشرعية (م ت ف ) وهذه الشرعيات هي الأسس التي تقوم عليها الدولة الفلسطينية فعندما يكون القرار للشعب يكون القرار لكينونة الشعب السياسية . نعم هناك صعوبات وتحديات ستواجه اللجنة المركزية للانتخابات الفلسطينية لتنفيذ هذه الانتخابات وخاصة في غزة والقدس. اما إذا تم الانتقال الي المرحلة الثانية من خطة الريس ترامب لأنهاء الحرب في غزة وتولت اللجنة الوطنية لإدارة القطاع لجنة التكنوقراط الحكم وتمكنت هذه اللجنة من تحقيق الامن والاستقرار فان ذلك سوف يختصر الكثير من الجهد وسوف يهيئ مساحات للتنافس الديموقراطي الحقيقي وبالتالي ضمان التعددية وسيكون من السهل تأمين الانتخابات منذ البدء بتحديث السجل الانتخابي ونشرة وعملية الترشح والقوائم وحماية اليوم الانتخابي من أي عبث من أطراف قد تخرب العملية الانتخابية إذا ما كانت هذه الأطراف تخشي خسارة مؤكدة لها. ولعل استقرار القطاع سيكون الشرط المطلوب لتتحقق نزاهة الانتخابات وشفافيتها بما يتيح للمواطن  الخروج للاقتراع المباشر واختيار ممثليه في المدن والتجمعات الفلسطينية وبالتالي سيكون متاح انشاء مراكز انتخابية متعدد المحطات وسيكون متاح توفير مراقبة دولية وعربية ومحلية للعملية الانتخابية. لكن  اذا تعذر ذلك وبقي الحال على ما هو عليه في غزة فان الانتخاب المباشر قد يتحقق اليوم بأدوات تكنولوجية وخاصة اننا نعيش عصر الذكاء الاصطناعي الذي يخلق المعجزات والفلسطينيين ليسوا بعيدين عن هذه الأدوات كلياً, نعم هذه الأمور تحتاج الي خبراء وفنيين في مجالات التكنولوجيا والامن السيبراني والانتخابات في آن واحد وشعبنا لم يكن يوما من الأيام عقيم فعنده من الإمكانيات ما تمكنه من إنجاح هذه الانتخابات بالاقتراع يوم الانتخابات في الصندوق التقليدي  اوفي الصندوق الالكتروني الذي يمكن ان يحقق سرعة ودقة في ذات الوقت وتفادي الأخطاء البشرية  وهذا يوفر علي لجنة الانتخابات كثير من الجهد المطلوب في غزة والقدس وبعض مناطق الضفة التي قد تغلقها قوات الاحتلال.

عشرين عاما في  انتظار يوم انتخابي لتجديد التمثيل الفلسطيني في المجلس التشريعي والرئاسة والمجلس الوطني والمفارقة انه يأتي هذا الحدث الوطني في زمن حرب بشعة  لكنه ليس غريباً لان الحرب على الفلسطينيين لم تتوقف الا انها كانت بوتيرة منخفضة واحيانا كانت على شكل حصار وأحياناً علي شكل حرب إبادة وتطهير عرقي كالتي نعيشها اليوم .اذا كان الفلسطينيين سينتظرون حتي تضع الحرب اوزارها ويجددوا شرعياتهم التمثيلية فانهم سوف ينتظروا الي الابد وبالطبع كل انتظار وكل تأجيل بإمكانه ان يفتح امام الاحتلال مسارات تصفية جديدة لتفكيك القضية الفلسطينية وتصفية قضاياها ,ولعل نجاح هذه الانتخابات المتوقع إنجازها بهذا الجهد الوطني الخالص بإمكانه  ان يعبد مسارات التحرر وبإمكانه ان يرفع مستوي التأييد العالمي للتحرر من الاحتلال الغاشم وبالتالي نيل حق تقرير المصير ,وهو برهان شرعي يؤكد للعالم  ان الشعب الفلسطيني صاحب الارض والهوية الفلسطينية وكيانه السياسي الشرعي قائم على هذه الأرض وهو مسار مشروع  نحو إقامة الدولة شاءت إسرائيل ام لم تشأ  .

Dr.Hani_analysisi@yahoo.com

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة