يتجاوز دعم العرب والفلسطينيين للمنتخب الإسباني في نهائي كأس العالم حدود الانحياز الرياضي، ليصبح تعبيرًا سياسيًا وثقافيًا عن الامتنان لدولةٍ اتخذت مواقف واضحة وشجاعة تجاه القضية الفلسطينية، في وقتٍ بدا فيه العالم مترددًا أو صامتًا. هذا الميل ليس مجرد رد فعل عاطفي، بل هو نتاج مقارنة سياسية عميقة بين دولتين: إسبانيا والأرجنتين، وكيف تعاملتا تاريخيًا وحديثًا مع العرب والفلسطينيين، ومع قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.
إسبانيا خلال السنوات الأخيرة تحولت إلى صوتٍ أوروبي بارز يطالب بوقف العدوان على غزة، ويعترف رسميًا بدولة فلسطين، ويضغط داخل الاتحاد الأوروبي لتغيير سياسات الدعم غير المشروط لإسرائيل. هذا التحول جعلها أقرب إلى الوجدان العربي، ليس لأنها دولة عربية، بل لأنها تبنّت خطابًا أخلاقيًا ينسجم مع رؤية العرب للعدالة في فلسطين. الموقف الإسباني لم يكن مجرد بيان سياسي، بل بدا وكأنه اصطفاف أخلاقي في لحظةٍ كان العالم فيها منقسمًا بين من يرى المأساة ومن يتجاهلها، ما خلق علاقة وجدانية جديدة بين العرب وإسبانيا مبنية على الاحترام المتبادل والشعور بأن هناك دولة أوروبية ترى الفلسطينيين كضحايا يستحقون العدالة.
في المقابل، الأرجنتين لم تُظهر مواقف مشابهة، بل بقيت بعيدة عن الملف الفلسطيني، لا تتفاعل معه سياسيًا ولا إنسانيًا. والأسوأ من ذلك، أن مواقف رئيس الأرجنتين خلال السنوات الأخيرة أثارت قلقًا واسعًا داخل بلاده وخارجها، إذ اتُّهم باتباع نهج سياسي لا يعكس روح الديمقراطية، سواء في طريقة إدارة السلطة أو في الخطاب الشعبوي الذي يهدد استقلال المؤسسات. هذه الصورة السياسية، حتى لو كانت منفصلة عن المنتخب نفسه، تؤثر في نظرة الجماهير العربية للدولة، وتضعها في موقع أقل جاذبية مقارنة بإسبانيا التي تبنّت خطابًا أكثر اتزانًا واحترامًا للقيم الديمقراطية.
ورغم هذا التحليل السياسي، فإن احترام مسيرة ليونيل ميسي يبقى قائمًا وثابتًا. ميسي لاعب استثنائي، صنع تاريخًا كرويًا لا يمكن تجاهله، وأدخل الفرح إلى الملايين حول العالم، بمن فيهم العرب والفلسطينيون. الفصل بين اللاعب والدولة ضرورة أخلاقية، فانتقاد مواقف رئيس الأرجنتين لا يعني الانتقاص من قيمة ميسي أو من مكانة المنتخب الأرجنتيني عندما تكون المنافسة عادلة.
بل إن كثيرًا من العرب يرون أن الأرجنتين فريق كبير، لكنه يصبح أقل جاذبية عندما يتدخل التحكيم لصالحه، كما حدث في المباراة أمام مصر، حيث شعر كثيرون بأن القرارات التحكيمية كانت منحازة بشكل واضح، ما أثّر على صورة الفريق في الوعي العربي. هذا لا ينتقص من قيمة المنتخب الأرجنتيني عندما يلعب في ظروف عادلة، لكنه يضيف طبقة أخرى من الحساسية الجماهيرية تجاهه.
في النهاية، دعم إسبانيا في النهائي ليس مجرد اختيار رياضي، بل هو تعبير عن ذاكرة سياسية وإنسانية تشكّلت خلال السنوات الأخيرة. العرب والفلسطينيون يدعمون من وقف معهم، من رفع صوت الحق، ومن احترم إنسانيتهم في لحظةٍ كان العالم فيها منقسمًا. وفي الوقت نفسه، يبقى احترام الأرجنتين كقوة كروية قائمًا، ويبقى ميسي أحد أعظم من لمس الكرة، مهما اختلفت المواقف السياسية أو تباينت الانحيازات الجماهيرية.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency