ليست كل قصيدة تتناول الاستبداد قادرة على الإفلات من أسر مناسبتها؛ فكثير من النصوص يخبو وهجها بانقضاء الحدث الذي وُلدت في ظله، بينما تنجح نصوص أخرى في تجاوز الظرف العابر لتغدو مساءلةً مفتوحة للإنسان والتاريخ. ومن هذا الأفق تُقرأ قصيدة «بئس مجد» للشاعر سامي الجابري؛ فهي لا تكتفي بإدانة صورة الحاكم المستبد، بل تعيد النظر في مفهوم المجد نفسه، وتكشف الكيفية التي يتحول بها من قيمة أخلاقية إلى قناع يُخفي الخراب.
منذ العنوان، يضع الشاعر القارئ أمام حكمٍ قيمي لا يقبل المواربة. فعبارة «بئس مجد» ليست افتتاحًا لغويًا فحسب، بل هي عتبة دلالية تؤسس لرؤية النص بأكمله. فالذم هنا لا يتجه إلى شخص أو واقعة، وإنما إلى كل مجدٍ يفقد أساسه الأخلاقي. ويكتسب هذا المعنى عمقًا إضافيًا لأن كلمة «مجد» جاءت نكرة، وكأن الشاعر يوسّع دائرة التأويل لتشمل كل سلطة تُشيّد هيبتها على الزيف، وكل انتصار يُبنى على أنقاض العدالة.
لا يقدم سامي الجابري في قصيدته شخصيةً سياسية بملامح محددة، بل يصوغ نموذجًا رمزيًا يتكرر في التاريخ كلما انفصلت السلطة عن الضمير. ولهذا لا ينشغل النص بوصف الحاكم بقدر ما ينشغل بكشف البنية التي تُنتج الاستبداد، حيث تُستبدل القيم بالأقنعة، وتُختطف اللغة لتؤدي وظيفة معاكسة لمعناها الأصيل.
وتتجسد هذه الرؤية في واحدة من أكثر صور القصيدة كثافة:
ثوبُ نورٍ قلبُه عرشُ الظلام
ليست هذه الصورة مجرد مقابلة بين النور والظلام، بل هي تفكيك للعلاقة بين المظهر والحقيقة. فالثوب يحيل إلى الصورة التي تُقدَّم للناس، بينما القلب يمثل جوهر الكينونة. وهنا يضع الشاعر إصبعه على أخطر مظاهر الاستبداد؛ إذ لا يكتفي الطغيان بممارسة القهر، بل يسعى إلى ارتداء هيئة الفضيلة، فيتحول النور إلى قناع، ويغدو الظلام هو الحقيقة المستترة خلفه.
ومن هذا المنطلق، يكتسب قول الشاعر:
يسرق المال برفقٍ واحتشام
دلالة تتجاوز المفارقة البلاغية؛ فالقصيدة تشير إلى أن الفساد في صورته الأشد خطورة لا يظهر بوجهه الصريح، بل يتخفى خلف لغة النظام والوقار، حتى تصبح الجريمة مألوفة، ويغدو الظلم جزءًا من المشهد اليومي. وهنا يكشف النص عن وعي عميق بأن السلطة لا تُحكم بالسلاح وحده، بل باللغة أيضًا، حين تُعاد صياغة المفاهيم لتمنح الباطل شرعية ظاهرية.
ويعتمد البناء الشعري على حركة متصلة من الأفعال: قاد، خاض، يسرق، يحكم، يعتلي، ينهب، باع…، وهي أفعال لا تؤدي وظيفة السرد فحسب، بل ترسم مسارًا متدرجًا لانهيار المنظومة الأخلاقية. فالاستبداد، في رؤية الجابري، ليس حادثة منفصلة، وإنما بنية تتغذى على ذاتها؛ تبدأ بإقصاء الحقيقة، وتنتهي بابتلاع المجتمع كله.
كما يكشف المعجم الشعري عن صراع واضح بين حقلين دلاليين: الأول يستحضر النور والوئام والسلام والعهد، والثاني يستدعي الظلام والخصام والأثام والحطام. غير أن الشاعر لا يضعهما في مواجهة مباشرة، بل يصور لحظة أكثر تعقيدًا، حين يستولي معجم الخراب على مفردات الخير، فيغدو الظلم متكئًا على لغة العدالة، ويصبح الوهم قادرًا على استعارة أسماء الحقيقة.
وتبلغ القصيدة ذروة بعدها الفكري في قوله:
حلوُ ملكٍ غلّف الأحلام وهم خبطُ فكرٍ أُشرب الشيطان سم
فهنا ينتقل النص من نقد السلطة إلى نقد الوعي. فالمشكلة لم تعد في الطغيان بوصفه ممارسة سياسية، بل في قدرته على إعادة تشكيل الإدراك الجمعي، حتى يغدو الوهم حقيقةً، ويصبح الخداع خطابًا رسميًا. ومن هنا تكتسب القصيدة بعدها الإنساني؛ إذ لا تتحدث عن سلطة بعينها، وإنما عن كل خطاب ينجح في تزييف الوعي وإعادة تسمية الأشياء بغير أسمائها.
ولا يغيب الإنسان عن هذه الرؤية، بل يحتل مركزها الأخلاقي. ففي قوله:
عزُّ شعبٍ ليس في حسبانهم
يختزل الشاعر أزمة الحكم حين يغيب الشعب عن معادلة السلطة، لتتحول الدولة إلى غاية في ذاتها، ويصبح الإنسان مجرد وسيلة. وهنا يتجاوز النص دائرة السياسة إلى فضاء القيم، حيث لا تستمد السلطة مشروعيتها من قدرتها على السيطرة، بل من قدرتها على صون كرامة الإنسان.
أما على المستوى الفني، فقد حافظ الجابري على البناء العمودي بإيقاعه المنتظم وقافيته الموحدة، لكن هذا الاختيار لم يكن مجرد وفاء للتقليد، بل أسهم في تعزيز النبرة الاحتجاجية للقصيدة؛ إذ يبدو تكرار القافية أشبه بإيقاع حكمٍ أخلاقي يتردد في نهاية كل بيت، مؤكدًا أن الخراب لا يمكن أن يتحول إلى مجد مهما طال زمنه.
وتنتهي القصيدة ببيتين يختزلان رؤيتها الفكرية:
دينهم فلسٌ وحاديهم ذمامي عبرةٌ تُحكى لأرباب المقامي
فلا يعلن الشاعر سقوط الطغيان بقدر ما يعلن مصيره التاريخي. وحين تتحول السلطة إلى عبرة، فإن القصيدة تنتقل من تسجيل اللحظة إلى استشراف ما بعدها؛ فالتاريخ، كما يوحي النص، لا يخلّد من امتلك القوة، بل من امتلك العدالة.
إن القيمة الحقيقية لقصيدة «بئس مجد» تكمن في أنها لا تُدين الاستبداد وحده، بل تُعيد تعريف المجد نفسه. فالمجد، في رؤية سامي الجابري، ليس ما تصنعه العروش، ولا ما تروّجه أبواق السلطة، وإنما ما تؤسسه العدالة، وتحميه الكرامة، ويشهد له ضمير الإنسان. ولهذا يغادر النص حدوده المناسبة ليصبح سؤالًا أخلاقيًا مفتوحًا: ماذا يبقى من المجد إذا فقد معناه؟
ذلك هو السؤال الذي تتركه القصيدة معلقًا في وجدان قارئها، وهو أيضًا سر قدرتها على تجاوز زمن كتابتها؛ لأن التاريخ قد يغيّر وجوه الطغاة، لكنه نادرًا ما يغيّر الأقنعة التي يرتدونها
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency