التفجيرات التي هزّت دمشق اليوم وقبل اسبوع، سواء في المقهى القريب من القصر العدلي أو في محيط الموكب ومكان إقامة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لم تكن مجرد خروقات أمنية عابرة. هذه الأحداث جاءت في لحظة سياسية حساسة تحاول فيها سوريا استعادة دورها الإقليمي والانخراط مجدداً في محيطها العربي والدولي، ما يجعل كل اهتزاز أمني مادة جاهزة لإعادة إنتاج سردية التشكيك في قدرة الدولة على ضبط أمنها، وبالتالي ضرب أي إمكانية للتعويل على اتفاقيات أو مشاريع مستقبلية معها.
في توقيت كهذا، حيث تتقاطع الزيارات الدولية مع محاولات عربية لإعادة دمج سوريا في النظام الإقليمي، يصبح أي تفجير صغير في مكان حساس قادراً على إحداث ضجيج سياسي كبير. فالعواصم التي تراقب المشهد السوري تبحث عن مؤشرات استقرار قبل اتخاذ قرارات تتعلق بالاستثمار أو التعاون الأمني، وأي خرق، حتى لو كان محدوداً، يُستخدم فوراً لإحياء خطاب “سوريا غير جاهزة بعد”. هذا الخطاب يخدم أطرافاً متعددة، بعضها ظاهر وبعضها يعمل في الظل، لكن جميعها تتقاطع مصالحها عند نقطة واحدة: إبقاء سوريا في حالة هشاشة تمنعها من استعادة دورها الطبيعي.
إسرائيل، على سبيل المثال، تستفيد من استمرار الفوضى الأمنية في سوريا، إذ يمنحها ذلك حرية حركة واسعة في الأجواء السورية ويمنع تشكّل محور سياسي‑اقتصادي يعيد لدمشق وزنها التقليدي في المشرق. كذلك، يظهر تنظيم داعش، وهو التنظيم المسؤول عن جرائم واسعة وانتهاكات جسيمة، كطرف يعيش على الفوضى، ويستثمر في أي اهتزاز لإثبات أنه ما زال قادراً على الضرب. أما فلول النظام السابق، فهي مجموعات فقدت نفوذها بعد إعادة هيكلة الدولة، وقد ترى في أي تسوية سياسية أو انفتاح خارجي تهديداً لمصالحها، فتسعى إلى تعطيل المسار عبر خلق بؤر توتر أو الاستثمار في الفوضى.
هذه الأطراف لا تحتاج إلى تنسيق مباشر كي تتقاطع مصالحها. فالتفجير الذي يربك العاصمة يخدم إسرائيل عبر إضعاف الدولة، ويخدم داعش عبر إثبات وجوده، ويخدم فلول النظام السابق عبر تعطيل أي تسوية، ويخدم بعض القوى الدولية التي تفضّل بقاء الملف السوري مفتوحاً دون حسم. هذا النوع من التقاطع يجعل المشهد معقداً، ويحوّل أي حدث أمني إلى ورقة سياسية تُستخدم لإعادة صياغة الموقف الدولي من سوريا.
التفجيرات الأخيرة تحمل رسالة واضحة: ضرب صورة العاصمة كمدينة آمنة، إحراج الدولة أمام ضيف دولي رفيع المستوى، وإعادة تدوير سردية “سوريا غير جاهزة للاستثمار أو الشراكات الأمنية”. وفي عالم السياسة الدولية، الانطباعات قد تكون أحياناً أهم من الحقائق، وهذا ما يجعل مثل هذه الأحداث خطراً مضاعفاً على مسار إعادة الإعمار، الذي لا يقوم فقط على بناء الحجر، بل على بناء الثقة السياسية والأمنية.
المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency