يُعد الإرهاب، بكل أشكاله وصوره، من أخطر التهديدات التي تواجه الإنسانية في العصر الحديث، لأنه يستهدف الإنسان أولا، ويزرع الخوف والرعب، ويقوض الأمن والاستقرار، ويغذي دوامة العنف والكراهية. فاستهداف المدنيين والآمنين، مهما كانت الذرائع أو المبررات، أمر مرفوض دينيا وأخلاقيا وإنسانيا، ولا يمكن تبريره تحت أي شعار أو هدف سياسي أو عسكري.
لقد أثبتت التجارب أن بعض الصراعات الدولية لم تكن بعيدة عن حسابات المصالح السياسية والاقتصادية والاستراتيجية للدول الكبرى، حيث أصبحت مصالح الدول في كثير من الأحيان تتقدم على حماية أرواح الأبرياء. فكثيرا ما رُفعت شعارات مثل "مكافحة الإرهاب"، أو "نشر الديمقراطية"، أو "نزع أسلحة الدمار الشامل"، لتبرير تدخلات عسكرية انتهكت سيادة دول، وأدت إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، وإلى انتشار الفوضى والدمار وعدم الاستقرار في مناطق واسعة من العالم.
ولا يقل خطورة عن ذلك الدور الذي تؤديه بعض وسائل الإعلام في تشكيل الصورة الذهنية للإرهاب، إذ يُلاحظ أحيانا وجود تركيز كبير على هوية الفاعل وانتمائه أكثر من التركيز على طبيعة الفعل نفسه. فحين يُقتل المدنيون بأي وسيلة كانت، سواء بقنبلة تُلقى من طائرة حديثة أو تفجير أو بقصف مدفعي أو بأي وسيلة أخرى، فإن النتيجة واحدة، وهي إزهاق أرواح الأبرياء. ومن هنا، فإن المعيار العادل يجب أن يكون الفعل نفسه، لا هوية مرتكبه أو انتماؤه السياسي أو الديني أو القومي.
إن مكافحة الإرهاب لا يمكن أن تكون انتقائية، ولا يجوز أن تُطبق بمعايير مزدوجة. فكل اعتداء متعمد على المدنيين يستحق الإدانة، سواء ارتكبته جماعات مسلحة أو أفراد أو دول. كما أن احترام القانون الدولي الإنساني، والالتزام بمواثيق الأمم المتحدة، وحماية المدنيين أثناء النزاعات، هي مسؤولية تقع على عاتق جميع الدول دون استثناء.
إن العالم اليوم بحاجة إلى ترسيخ ثقافة العدالة واحترام حقوق الإنسان، والعمل على معالجة أسباب النزاعات بالحوار والدبلوماسية، لا باستخدام القوة والعنف. كما أن على المجتمع الدولي أن يتعامل مع جميع الانتهاكات بمعيار واحد، بعيدا عن المصالح السياسية أو الاقتصادية أو الحسابات الجيوسياسية، لأن العدالة التي تُطبق على طرف دون آخر تفقد مصداقيتها.
إن السلم العالمي لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، وإنما يتحقق بإقامة العدل، واحترام سيادة الدول، والالتزام بالقانون الدولي، ورفض استهداف المدنيين في كل مكان. فالإرهاب، مهما كان مصدره أو شعارها أو الجهة التي تمارسه، يبقى إرهابا عندما يعتدي على الأبرياء ويهدد أمن الشعوب واستقرارها.
وأخيرا وليس آخرا ، فإن مسؤولية الحفاظ على السلم العالمي تقع على عاتق جميع دول العالم، وعليها أن تمتنع عن استخدام القوة أو العنف أو الإرهاب وسيلة لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية أو استراتيجية، وأن تعمل بصدق على تعزيز الحوار والتعاون الدولي، واحترام القانون الدولي، وصون كرامة الإنسان وحقه في الحياة والأمن والسلام. فالعالم لن ينعم بالاستقرار الحقيقي إلا عندما تكون حياة الإنسان وكرامته فوق كل المصالح والحسابات.
الدكتور صالح نجيدات
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency