مصر… كرة قدم بروح أمة

محمد دراوشة
نُشر: 04/07/26 13:18

لم يكن تأهّل المنتخب المصري إلى دور ثمن النهائي في المونديال حدثاً رياضياً عابراً، بل كان لحظة كاشفة تضع الرياضة في سياقها الأوسع: سياق الهوية، والانتماء، والكرامة الوطنية. لقد قدّم لاعبو مصر نموذجاً لما يمكن أن تكون عليه كرة القدم حين تُلعب بروح، وحين تُمارَس بشغف، وحين تُحمَل على أكتاف رجال يعرفون أن القميص الذي يرتدونه ليس مجرد قطعة قماش، بل تاريخ أمة كاملة.

منذ صافرة البداية، بدا المنتخب المصري وكأنه يكتب فصلاً جديداً في كتاب الكرة العربية. لعبٌ منضبط، تكتيكٌ واضح، روحٌ قتالية لا تستسلم، وقدرةٌ على تحويل اللحظات الصعبة إلى فرص. لم يكن التأهّل صدفة، ولا كان هدية من أحد، بل كان ثمرة عملٍ طويل، وإيمانٍ عميق بأن مصر قادرة على أن تكون في قلب المشهد العالمي، لا على هامشه. كل تمريرة كانت تحمل بصمة، وكل هدف كان يحمل توقيعاً، وكل لحظة في الملعب كانت تقول إن هذا الفريق جاء ليبقى، لا ليزور.

لكن ما ميّز المنتخب المصري لم يكن الأداء وحده، بل الأخلاق التي رافقت هذا الأداء. حين وقف اللاعبون يقرأون الفاتحة قبل المباراة، لم يكونوا يوجّهون رسالة سياسية، ولم يكونوا يستعرضون تديناً، بل كانوا يمارسون ما تربّوا عليه وما يشكّل جزءاً من هويتهم الروحية. ملايين الرياضيين حول العالم يعبّرون عن إيمانهم بطرق مختلفة، فلماذا يصبح الدعاء المصري فجأة مادة للتحريض؟ وحين سجَد اللاعبون بعد تسجيل الهدف، كان ذلك امتناناً للخالق، لا تحدّياً لأحد. سجدةٌ بسيطة تحوّلت عند البعض إلى قضية، وكأن التعبير عن الامتنان أصبح جريمة، وكأن الإيمان بات تهمة.

أما المدرب حسام حسن، حين تلّحف بالعلم الفلسطيني، فقد عبّر عن انتماء وجداني لا يحتاج إلى تفسير. فلسطين ليست شعاراً، بل قضية حيّة في وجدان الشعوب العربية، ومصر كانت دائماً في مقدمة من حملوا هذه القضية بصدق. رفع العلم لم يكن استفزازاً، بل كان تعبيراً عن ضمير حيّ، وعن إنسانية لا تخجل من نفسها.

في المقابل، ظهر صوتٌ نشاز، صوتٌ حاول أن يشيطن كل ما هو جميل. عشرات الرسائل والتعليقات انطلقت لتهاجم المنتخب المصري، لا لشيء إلا لأنهم رأوا فيه ما يذكّرهم بأن هناك شعوباً ما زالت تحمل قيماً، وما زالت تربط الرياضة بالأخلاق، والانتصار بالكرامة. المفارقة أن معظم هؤلاء المحرّضين لا يلعبون في هذا المونديال أصلاً. لا يملكون فريقاً يرفع رايتهم، ولا إنجازاً يفاخرون به، فاختاروا أن يلعبوا في الهامش: دور المفتنين، لا دور المتنافسين. بدل أن يفرحوا بجمال اللعبة، أو يحترموا خيارات الآخرين، انشغلوا بتأويل كل سجدة، وتحليل كل دعاء، ومهاجمة كل علم يُرفع تضامناً مع شعبٍ يرزح تحت الاحتلال.

إن العار الحقيقي لا يلحق بالمنتخب المصري، بل يلحق بمن رأى في الفاتحة تهديداً، وفي السجود استفزازاً، وفي العلم الفلسطيني خطيئة. هؤلاء يعيشون في غيظهم، ويبحثون عن أي ذريعة ليخفوا شعوراً دفيناً بالعجز، لأنهم خارج الملعب، وخارج التاريخ، وخارج اللحظة التي يحتفل بها العالم.

أما مصر، فقد دخلت المونديال بشرف، ولعبت بشرف، وتأهّلت بشرف. قدّمت كرة قدم جميلة، وأخلاقاً جميلة، وصورة جميلة للعرب والمسلمين أمام العالم. وإن كان في انتصارها ما يزيد من غيظ أولئك، فاللهم زدهم منه، وزد مصر وأهلها فخراً ورفعةً وانتماءً لا يخجل منه أصحابه، بل يزدادون به قوةً وثباتاً.

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة