الأقصى الذي عرفته… والأقصى الذي رأيته: شهادة من قلب المسجد على "التسونامي الزاحف" الذي يبتلع الوضع الراهن

كامل ريان
نُشر: 03/07/26 18:58

الأقصى الذي عرفته… والأقصى الذي رأيته

شهادة من قلب المسجد على "التسونامي الزاحف" الذي يبتلع الوضع الراهن

بقلم: د. كامل ريان

ليست كل التقارير مجرد أخبار تُقرأ ثم تُنسى، فبعضها يتحول إلى وثيقة إدانة، ليس لأنه يحمل موقفًا سياسيًا، وإنما لأنه يكشف بالأرقام ما أصبحت العين تراه على أرض الواقع.
هذا ما شعرت به وأنا أقرأ التقرير المبني على معطيات رسمية للشرطة الإسرائيلية، والذي خلص إلى وجود تآكل تدريجي في “الوضع الراهن” التاريخي في المسجد الأقصى. ولم تكن أهمية التقرير في أنه صدر عن جهة إسرائيلية فحسب، بل في أنه يعترف، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بأن ما كان يعد قبل سنوات استثناءً أصبح اليوم واقعًا آخذًا في الترسخ ،ولم يكن ذلك جديدًا بالنسبة لي.

فمنذ أن أنهيت أطروحتي للدكتوراه بعنوان “التكييف القانوني للوضع الراهن (الستاتيكو) في المسجد الأقصى من منظور القانون الدولي العام”، وأنا أؤكد أن أخطر ما يهدد المسجد الأقصى ليس قرارًا رسميًا يعلن إلغاء الوضع الراهن، وإنما سياسة التغيير التدريجي الهادئ، التي تتقدم خطوة بعد خطوة، حتى يصبح الواقع الجديد أمرًا مألوفًا، ويغدو الاعتراض عليه وكأنه اعتراض على أمر قائم منذ زمن.

لكن الفرق هذه المرة أنني لم أقرأ هذه الحقيقة في كتاب أو وثيقة، بل رأيتها بعيني خلال زيارتي الأخيرة للمسجد الأقصى لأداء صلاة الفجر.

دخلت المسجد، فإذا بالمشهد مختلف عما عرفته طوال عقود ،انتشار أمني كثيف وغير مسبوق، مئات من أفراد الشرطة في الساحات وعلى الأبواب، ودوريات وآليات تتحرك بين المصلين بصورة استفزازية، حتى يشعر المصلي أنه مراقب في كل خطوة، وأن القوة المسلحة أصبحت هي العنصر الأكثر حضورًا في المشهد.
ورأيت مصلين يُمنعون من الدخول، وآخرين يُعادون عن الأبواب، وشاهدت التضييق على حراس المسجد وموظفي دائرة الأوقاف، واعتقال بعضهم وإبعاد بعضهم الآخر، في محاولة واضحة لإضعاف الجهة التي تمثل الوصاية الإسلامية التاريخية على المسجد الأقصى.

كما رأيت أفرادًا من الشرطة يدخلون إلى محيط قبة الصخرة، في مشهد لم يكن مألوفًا في السابق، ورأيت مجموعات المقتحمين تدخل تحت حماية أمنية مشددة، تسير في مسارات محددة، وتتوقف في أماكن معروفة، وتؤدي طقوسًا دينية جماعية، وترقص وتردد الأناشيد، بينما تقف الشرطة لحمايتها وتأمينها.

وعندما عدت إلى التقرير، أدركت أن ما رأيته بعيني لم يكن انطباعًا شخصيًا، وإنما ترجمة ميدانية لمعطيات موثقة.

فالتقرير يكشف أن عدد اليهود الذين دخلوا المسجد الأقصى خلال عام 2025 بلغ 76,448، وهو أعلى رقم يسجل منذ احتلال القدس عام 1967، بزيادة تجاوزت 31% مقارنة بالعام الذي سبقه. وهذا الرقم لا يمثل مجرد زيادة عددية، بل يعكس سياسة متواصلة تهدف إلى تحويل الاقتحامات من أحداث استثنائية إلى واقع يومي دائم ،ولم يعد التغيير مقتصرًا على عدد المقتحمين، بل امتد إلى طبيعة وجودهم داخل المسجد.

فبحسب التقرير، ورغم استمرار الحديث عن منع إدخال لفائف التوراة والتفلين والأعلام، فإن الشرطة باتت تسمح عمليًا بإقامة الصلوات الجماعية، وتلاوة “القاديش”، وأداء “بركة الكهنة”، والسجود والانبطاح، خاصة في الجهة الشرقية من المسجد، وهي ممارسات كانت تُعد حتى وقت قريب مخالفة صريحة للوضع الراهن التاريخي.

ولعل أخطر ما في التقرير أنه يعترف ضمنيًا بأن النقاش لم يعد يدور حول جواز الصلاة اليهودية داخل المسجد، وإنما حول حدودها وكيفية تنظيمها، وهو تحول جوهري في مفهوم “الستاتيكو”.
إن أخطر ما في هذه التغييرات أنها لا تأتي دفعة واحدة، بل تتسلل إلى الواقع خطوة بعد أخرى وكل خطوة تبدو صغيرة إذا نُظر إليها منفردة، لكن مجموعها يكشف عن تحول تاريخي عميق.

ولهذا لا أتفق مع من يصف ما يحدث بأنه مجرد “تجاوزات” ،إنه مشروع متكامل لإعادة تشكيل الواقع داخل المسجد الأقصى، دون إعلان رسمي، ودون ضجيج، حتى يعتاد الناس عليه، ثم يصبح هو الوضع الطبيعي الجديد.

لقد كتبت في أطروحتي أن المسجد الأقصى مر بثلاث محطات كبرى في استهداف الوضع الراهن: الأولى بعد احتلال القدس عام 1967 أو ما يسمى ب"تفاهمات ديان"، والثانية بعد اقتحام أرئيل شارون عام 2000، والثالثة في السنوات الأخيرة "سياسات بن جفير"، وهي الأخطر، لأنها لا تستهدف مجرد تنظيم الزيارات، بل إعادة تعريف السيادة الفعلية على المكان، وتقاسم الوظيفة الدينية فيه بصورة تدريجية.

واليوم، وبعد هذه الزيارة، أستطيع أن أقول إن ما كان تحليلًا أكاديميًا أصبح حقيقة أراها بعيني، وتؤكدها الوقائع اليومية والمعطيات الإسرائيلية نفسها.

خرجت من المسجد الأقصى بعد صلاة الفجر، وأنا أشعر بمزيج من الحزن والغضب ،حزن لأن المسجد الذي عرفناه يتغير أمام أعيننا ،وغضب لأن هذا التغيير يجري ببطء شديد، حتى لا يوقظ ضمير العالم.

إن أخطر ما يواجه المسجد الأقصى اليوم ليس قرارًا مفاجئًا، بل هذا التسونامي الزاحف ،فالتسونامي لا يبدأ بموجة عملاقة، وإنما يبدأ بارتفاع بطيء في مستوى الماء، حتى يظن الناس أن شيئًا لم يتغير، ثم تأتي اللحظة التي يكتشفون فيها أن البحر قد ابتلع الشاطئ كله ،وهذا هو ما يحدث اليوم في المسجد الأقصى.

إن مسؤوليتنا اليوم ليست أن نرثي الواقع بعد ضياعه، بل أن نوثق الحقيقة، وأن نحمي الوعي، وأن نحافظ على الرباط الإنساني والتواجد البشري والديني والقانوني في المسجد الأقصى. فالمعركة لم تعد على حجارة المسجد فحسب، بل على هويته، وعلى ذاكرته، وعلى حق الأجيال القادمة في أن تعرف الأقصى كما عرفناه، لا كما يراد له أن يصبح.

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة