في كل مرة يُقتل فيها إنسان بريء، تُسارع الأطراف إلى الاحتماء خلف العبارة المعلّبة: «قُتل بالخطأ». لكن الحقيقة تُغتال قبل أن تُغتال الضحية. فهذه الجملة ليست توصيفًا لحادث، بل عملية تبييض لغوي تُخفي الجريمة، وتُبرّئ الجاني، وتُعفي الدولة من مسؤولياتها، وتُسكِت مجتمعًا اعتاد أن يبتلع الألم بلا احتجاج.
القاتل يجد في كلمة «خطأ» مظلة تحميه من وحشيته، وكأن الضغط على الزناد حدث بلا وعي. الشرطة تستخدمها كصمام أمان يخفّف الغضب الشعبي، وكأنها تقول: «لم نفشل… الظروف هي التي خانتنا». أما المجتمع، فقد صار يرددها لأنه فقد القدرة على مواجهة الحقيقة، ولأن الاعتراف بأننا نعيش وسط منظومة عنف متكاملة أصعب من ابتلاع كلمة واحدة تُعفي الجميع من المحاسبة.
لكن القتل ليس خطأً عابرًا، بل نتيجة مباشرة لفوضى السلاح، ولغياب الردع، ولتطبيع العنف، ولتراجع قيمة الإنسان في الخطاب العام. حين نقول «بالخطأ»، نحن نُسقط المسؤولية عن الجاني، ونُبرّئ الدولة من تقصيرها، ونُخدّر المجتمع كي لا يطالب بحقه في الأمان. وهكذا، تتحول الجريمة إلى حدث لغوي، لا مأساة إنسانية تستحق الوقوف عندها.
إن أخطر ما في هذه العبارة أنها تُفرّغ الجريمة من معناها. فهي تُحوّل الضحية إلى رقم، وتُحوّل الجاني إلى شخص «غير محظوظ»، وتُحوّل الدولة إلى جهة «بذلت ما تستطيع». وهكذا يصبح موت الأبرياء تفصيلًا عابرًا، بدل أن يكون صرخة تُجبر الجميع على مواجهة الواقع.
المطلوب اليوم أن نسمي الأشياء بأسمائها: القتل هو قتل، وليس «خطأ». المطلوب محاسبة حقيقية لا تكتفي بالقبض على الجاني، بل تُفكّك البيئة التي أنتجته. المطلوب شرطة تمنع الجريمة قبل وقوعها، لا بيانات تُبرّر وقوعها. المطلوب مجتمع يرفض التطبيع مع العنف، ويُعيد للإنسان قيمته، ويُدرك أن الصمت شراكة، وأن التبرير تواطؤ.
الخطأ الحقيقي ليس في القتل…
الخطأ في أننا أصبحنا نُصدّق أن القتل يمكن أن يكون «بالخطأ».
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency