لم تعد أزمة المياه في قطاع غزة مجرد واحدة من النتائج الإنسانية للحرب، بل تحولت إلى قضية من أكثر القضايا تعبيرًا عن حجم المأزق الذي يعيشه القطاع. فبين العمليات العسكرية المستمرة، وتعثر المفاوضات، والانهيار المتواصل للبنية التحتية، أصبح الحصول على المياه الآمنة تحديًا يوميًا لمئات الآلاف من الأسر، في وقت تتراجع فيه قدرة المؤسسات المحلية على تشغيل المرافق الحيوية التي يعتمد عليها أكثر من مليوني فلسطيني.
وتعكس التحذيرات الأخيرة الصادرة عن سلطة المياه وجودة البيئة واتحاد بلديات قطاع غزة حجم الأزمة المتفاقمة. فمحطات التحلية، وآبار المياه، وشبكات الضخ تواجه خطر التوقف نتيجة استمرار القيود المفروضة على إدخال الوقود والزيوت وقطع الغيار والمضخات والمواد اللازمة للتشغيل والصيانة. ومع ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف واتساع رقعة النزوح، لم يعد نقص المياه مجرد أزمة خدمات، بل تحول إلى تهديد مباشر للصحة العامة وللقدرة على استمرار الحياة في كثير من مناطق القطاع.
ولا يمكن قراءة هذه الأزمة بمعزل عن الحرب الدائرة. فقد تعرضت البنية التحتية للمياه إلى أضرار واسعة منذ اندلاع العمليات العسكرية، بينما أدى استمرار القيود على إدخال مستلزمات الإصلاح والتشغيل إلى إبطاء جهود إعادة تشغيل المرافق الحيوية. وتشير التقديرات المحلية إلى أن قطاع غزة يحتاج يوميًا إلى أكثر من 140 ألف متر مكعب من المياه لتلبية الحد الأدنى من احتياجات السكان، في وقت تعمل فيه المنظومة المائية بقدرات محدودة لا تواكب حجم الطلب المتزايد.
وتنعكس هذه الأزمة بصورة مباشرة على مختلف القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها القطاع الصحي. فالمستشفيات والمراكز الطبية تعتمد على محطات التحلية لتوفير المياه اللازمة للخدمات العلاجية، وأي توقف في هذه المحطات يهدد قدرة المؤسسات الصحية على الاستمرار في تقديم خدماتها، خصوصًا في الأقسام التي تحتاج إلى إمدادات مائية مستقرة مثل وحدات غسيل الكلى والرعاية الطبية الحرجة. ومع تراجع إنتاج المياه، يصبح الحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات الصحية أكثر صعوبة، وتتضاعف المخاطر التي تواجه السكان.
وفي المقابل، ما زالت المفاوضات الخاصة بوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى تراوح مكانها رغم استمرار جهود الوسطاء الإقليميين والدوليين. ورغم الحديث عن بعض أوجه التقارب في عدد من الملفات، فإن الخلافات المرتبطة بترتيبات اليوم التالي للحرب، وآليات إدارة قطاع غزة، والضمانات الأمنية، ما زالت تؤخر التوصل إلى اتفاق شامل. وبينما تستغرق هذه المفاوضات وقتًا أطول، تتراجع قدرة القطاع على مواجهة أزماته الإنسانية، وفي مقدمتها أزمة المياه التي لم تعد تحتمل مزيدًا من التأجيل.
وفي هذا السياق، تفرض الأزمة مراجعة هادئة لطبيعة إدارة الملف الإنساني داخل القطاع. فبعد سنوات من إدارة حركة حماس لغزة، يبرز تساؤل مشروع حول مدى نجاحها في بناء منظومة أكثر قدرة على حماية الخدمات الأساسية خلال فترات الأزمات، أو في إيجاد آليات تسمح بتحييد قطاع المياه عن التجاذبات السياسية بقدر الإمكان. كما يثار سؤال آخر حول مدى المرونة التي أبدتها الحركة في التعاطي مع المبادرات التي كان يمكن أن تسهم في تسهيل دخول مستلزمات التشغيل أو توسيع التعاون مع الجهات الدولية المعنية بهذا الملف. ولا يعني طرح هذه الأسئلة إعفاء إسرائيل من مسؤولياتها، لكنه يعكس حقيقة أن إدارة الأزمات لا تُقاس فقط بإدارة المواجهة، وإنما أيضًا بقدرة السلطة القائمة على تقليل كلفة الصراع على المجتمع.
وتظل المسؤولية الإسرائيلية حاضرة بصورة مباشرة في هذه الأزمة. فالقيود المستمرة على إدخال الوقود والمعدات والمواد اللازمة لتشغيل مرافق المياه، إلى جانب الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية خلال الحرب، أسهمت في تعميق الأزمة وتحويلها إلى واحدة من أخطر التحديات الإنسانية التي يواجهها القطاع. كما أن استمرار تعطل أعمال الصيانة وإعادة التأهيل يجعل فرص استعادة الحد الأدنى من خدمات المياه أكثر تعقيدًا مع مرور الوقت.
وتكشف أزمة المياه أن الكلفة الحقيقية للحرب لا تقاس فقط بعدد الضحايا أو حجم الدمار، بل أيضًا بقدرة المجتمع على الحفاظ على مقومات الحياة الأساسية. فحين يصبح الحصول على المياه الآمنة تحديًا يوميًا، فإن ذلك يعكس خللًا يتجاوز حدود العمل العسكري ليصل إلى طريقة إدارة الأزمة برمتها، سواء على المستوى الميداني أو السياسي أو الإداري.
تبدو أزمة المياه في غزة أكثر من مجرد أزمة خدمات أو نقص في الموارد، فهي تعكس تداخل الحرب مع الحصار وتعثر المسار السياسي، كما تفرض مراجعة لأداء جميع الأطراف المعنية، كلٌّ في حدود مسؤوليته. وبين مسؤولية إسرائيل عن القيود المفروضة على البنية التحتية والإمدادات، ومسؤولية الإدارة المحلية عن إدارة الشأن المدني في واحدة من أصعب المراحل التي مر بها القطاع، يبقى السكان هم الطرف الذي يدفع الثمن الأكبر. لذلك، فإن أي تسوية مستقبلية لن يكون نجاحها مرهونًا بوقف إطلاق النار وحده، بل بقدرتها على ضمان عودة المياه إلى منازل السكان بصورة مستقرة، باعتبارها الشرط الأول لاستعادة الحد الأدنى من الحياة الطبيعية.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency