قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾.
اردت التطرق إلى تفسير هذه الآية العظيمة لأهمية ما تحمل من قيم ونواهي من رب العالمين ومعايير اجتماعية عظيمة ,في الوقت الذي ابتعد الانسان عن قول الحق والتمسك بالماده ولم يصن الامانة وما حملت من اهداف وقيم عظيمة. إن هذه الاية الكريمة تُجسد عظمة المسؤولية التي حمّلها الله للإنسان، وتُبين أن الإنسان لم يُخلق عبثا، بل خُلق ليكون مسؤولا ومحاسبا مؤتمنا على ما أُوكل إليه من واجبات وحقوق. فالأمانة التي تحدثت عنها الآية تشمل جميع التكاليف الشرعية التي أمر الله بها عباده، وتشمل كذلك مسؤولية الإنسان تجاه نفسه وأسرته ومجتمعه وأمته.
وللدلالة على ضخامة هذه الأمانة، أخبرنا الله سبحانه وتعالى أنه عرضها على السماوات والأرض والجبال، وهي مخلوقات عظيمة في قوتها وحجمها، فأبت أن تحملها وأشفقت من عواقب التقصير فيها، بينما قبل الإنسان حملها بما أُعطي من عقل وإرادة وقدرة على الاختيار. ولذلك فإن قيمة الإنسان الحقيقية لا تُقاس بما يملك من مال أو جاه أو قوة، بل بمقدار التزامه بالأمانة التي حمّلها الله له.
إن الأمانة تبدأ من علاقة الإنسان بربه، فتتمثل في أداء العبادات بإخلاص، والالتزام بأوامر الله واجتناب نواهيه، ثم تمتد إلى علاقته بالناس من خلال الصدق والعدل والوفاء وحفظ الحقوق. فالأمانة في العمل إتقان وإخلاص، وفي التعليم رسالة ومسؤولية، وفي السياسة خدمة للناس لا تسلط عليهم، وفي القضاء عدل وإنصاف، وفي الأسرة تربية سليمة للأبناء على القيم والأخلاق والشهامة والمروءة والصدق وقول الحق حتى على نفسه.
وحين تضيع الأمانة ينتشر الظلم والفساد وتتفكك المجتمعات وتضيع الحقوق. لذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ضياع الأمانة وعدّه من علامات تراجع الأمم وانحدارها. فالمجتمع الذي تسوده الأمانة تسوده الثقة والاستقرار والتعاون، أما المجتمع الذي تنتشر فيه الخيانة والغش والمحسوبية فإنه يفقد مقومات قوته وتقدمه.
وفي واقعنا اليوم نحن بحاجة ماسة إلى إعادة الاعتبار لقيمة الأمانة في حياتنا العامة والخاصة. فالمعلم أمين على عقول الأجيال، والآباء والأمهات أمناء على أبنائهم، والمسؤول أمين على مصالح الناس، والإعلامي أمين على الكلمة، والمواطن أمين على مجتمعه ووطنه. وكل تقصير في هذه المسؤوليات ينعكس سلبا على المجتمع بأسره.
إن بناء الإنسان الواعي والمسؤول يبدأ من غرس مفهوم الأمانة في النفوس منذ الصغر، وتعزيز قيم الصدق والالتزام وتحمل المسؤولية. فالأمم العظيمة لا تُبنى بالقوة المادية وحدها، وإنما تُبنى بالإنسان الأمين الذي يخاف الله ويؤدي واجبه بإخلاص.
واخيرا وليس آخرا ، فإن هذه الآية الكريمة تدعونا إلى التأمل في حجم المسؤولية الملقاة على عاتق كل واحد منا، وإلى مراجعة أنفسنا في أداء ما استؤمنا عليه. فالأمانة هي أساس العمران والإصلاح، وهي طريق رضا الله ونجاح الإنسان في الدنيا والآخرة. وما أحوج مجتمعاتنا اليوم إلى رجال ونساء يدركون معنى الأمانة ويحملونها بصدق وإخلاص، حتى يبقى المجتمع متماسكا وقادرا على مواجهة التحديات وبناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة.
الدكتور صالح نجيدات
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency