رحلة واحدة من الجاحظ إلى أحلام مستغانمي
ليست اللغة صندوقًا نضع فيه أفكارنا، ثم نغلقه بالكلمات، بل هي المصنع الذي تُولد فيه الأفكار ذاتها. وما نعتقد أنه "معنى" جاهز، ليس في الحقيقة إلا نتيجة رحلة طويلة تبدأ باللفظ، وتعبر الصورة والسياق، ولا تكتمل إلا في ذهن القارئ.
هذا ما أدركه البلاغيون العرب منذ قرون، قبل أن تتحدث اللسانيات الحديثة عن إنتاج الدلالة والتداولية والتلقي. فالجاحظ لم يكن يبحث عن الكلمات الجميلة بقدر ما كان يبحث عن الطريقة التي تجعل الفكرة أكثر تأثيرًا. وعبد القاهر الجرجاني لم ير البلاغة في الألفاظ منفردة، بل في العلاقات التي تنشأ بينها داخل الجملة. أما حازم القرطاجني فكان يرى أن اللغة تبلغ ذروتها حين لا تكتفي بوصف العالم، بل تعيد تخييله، في حين ربط ابن خلدون اللغة بحركة المجتمع والتاريخ، فالمعنى عنده ابنٌ لثقافة قائله وظروف عصره، وليس مجرد وظيفة لغوية.
قد تبدو هذه الأفكار متباعدة، لكنها تلتقي جميعًا في جملة واحدة من العالم الروائي الذي تنسجه أحلام مستغانمي، حين تجعل الوطن يسكن الإنسان أكثر مما يسكنه الإنسان.
في هذه اللحظة لا تقدم الكاتبة معلومة، وإنما تصنع معنى جديدًا. فلو قالت ببساطة: «أحب وطني»، لما تجاوزت حدود الإخبار. لكنها قلبت العلاقة بين الإنسان والمكان، فجعلت الوطن هو الفاعل والإنسان هو الحيز الذي يقيم فيه. هنا يبدأ الجاحظ بالابتسام؛ لأن الفكرة قديمة، لكن طريقة التعبير عنها هي التي صنعت دهشتها.
ثم يتقدم الجرجاني خطوة إلى الأمام، ليقول إن سر هذه الجملة ليس في كلمة «الوطن»، ولا في فعل «يسكن»، وإنما في النظم الذي جمعهما. فالمعنى وُلد من انقلاب العلاقة المألوفة؛ إذ اعتدنا أن يسكن الإنسان وطنه، فإذا بالوطن يسكن الإنسان. إن تغييرًا نحويًا صغيرًا نقل الجملة من تقرير عادي إلى رؤية فلسفية كاملة.
ولا يقف الأمر عند حدود النظم؛ فالقرطاجني يرى أن الصورة هنا ليست زينة بلاغية، بل فعل تخييلي يعيد تشكيل الواقع. فالوطن لم يعد خريطة وحدودًا، بل صار ذاكرةً وقلبًا وحنينًا، وأصبح كائنًا حيًا يقيم في الإنسان. هكذا لا تصف اللغة العالم، بل تخلق عالمًا جديدًا.
ثم يأتي ابن خلدون ليضيف طبقة أخرى من المعنى. فهذه الصورة لم تولد في فراغ، وإنما خرجت من ذاكرة الجزائر، ومن تاريخ الاستعمار، ومن الثورة، ومن تجربة الفقد والمنفى. لذلك لم يعد الوطن مكانًا يُقاس بالجغرافيا، بل هويةً تسكن الوجدان. إن المجتمع هو الذي منح الكلمات هذا العمق، قبل أن تمنحه البلاغة جمالها.
لكن الرحلة لا تنتهي عند الكاتب. فالقارئ بدوره يعيد إنتاج المعنى. كل قارئ يستدعي وطنه الخاص، وذكرياته الخاصة، وتجربته الخاصة مع الفقد والانتماء، فتولد في ذهنه دلالة قد تختلف عن دلالة قارئ آخر. هنا تلتقي البلاغة العربية بالتداولية الحديثة ونظرية التلقي؛ فالمعنى ليس شيئًا جاهزًا في النص، بل حدثًا يقع بين النص والقارئ.
وهكذا، تكشف جملة واحدة أن اللغة لا تنقل العالم كما هو، بل تعيد بناءه. تبدأ الفكرة عند الجاحظ، وتتخذ شكلها في نظم الجرجاني، وتكتسب خيالها عند القرطاجني، وتتجذر في التاريخ مع ابن خلدون، ثم تكتمل في وعي القارئ كما تقول نظريات التداولية والتلقي.
وربما لهذا السبب تبقى النصوص العظيمة حية بعد عقود طويلة؛ لأنها لا تمنح قارئها معنى واحدًا، بل تمنحه القدرة على أن يشارك في صنع المعنى كلما عاد إليها من جديد.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency