تبدو المفاوضات الجارية في سويسرا بين الولايات المتحدة وإيران وكأنها محاولة جديدة لإعادة ترتيب المشهد الإقليمي، لكن ما يحيط بها من تصريحات متضاربة يكشف أن الطريق ما زال طويلًا أمام أي اختراق حقيقي. وبرأيي، فإن ما يجري ليس مجرد نقاش تقني حول النووي أو لبنان، بل هو صراع إرادات تحاول فيه كل جهة فرض روايتها على الطاولة.
من الجانب الإيراني، يظهر الرئيس مسعود بزشكيان بثقة لافتة، مؤكدًا أن جميع بنود مذكرة التفاهم تصب في مصلحة إيران. هذا الخطاب ليس مجرد تفاؤل، بل رسالة سياسية تقول إن طهران ترى نفسها في موقع قوة، وأن الظروف الدولية — من الحرب في غزة إلى التوتر في لبنان — منحتها أوراقًا إضافية. كما أن حديث بزشكيان عن تغيّر في خطاب واشنطن يعكس رغبة إيرانية في تصوير المفاوضات كاعتراف أمريكي بوزنها الإقليمي.في المقابل، تأتي التصريحات الأمريكية بنبرة مزدوجة.
نائب الرئيس جيه دي فانس يتحدث عن فتح صفحة جديدة، بينما يضع الملف النووي ووقف إطلاق النار في لبنان في مقدمة الأولويات. لكن الرئيس دونالد ترامب يرسل رسائل أكثر حدّة، خصوصًا عندما يلوّح بإمكانية السيطرة على مضيق هرمز أو فرض رسوم عبور. هذا التناقض ليس صدفة، بل يعكس أسلوبًا أمريكيًا معتادًا: التفاوض تحت الضغط، بحيث تبقى واشنطن منفتحة على الحلول، لكنها لا تتخلى عن لغة القوة.أما إسرائيل، فهي الطرف الأكثر تشددًا في المشهد. تصريحات وزير الأمن إسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زمير تكشف بوضوح أن تل أبيب لا تنظر إلى وقف إطلاق النار في لبنان كفرصة تهدئة، بل كاستراحة مؤقتة قبل جولة جديدة من المواجهة.
إسرائيل ترفض الانسحاب من “المنطقة الأمنية”، وتعتبر أن أي تراجع ميداني سيُقرأ كضعف، وهذا يضعها في موقع متعارض مع المسار الذي تحاول واشنطن دفعه.
من وجهة نظري، فإن التفاؤل الذي تعلنه الأطراف ليس سوى غطاء دبلوماسي يخفي خلفه حسابات معقدة. إيران تريد مكاسب سياسية واقتصادية، أمريكا تريد تهدئة مدروسة لا تمنح طهران نفوذًا إضافيًا، وإسرائيل تريد ضمان أمنها عبر القوة لا عبر التفاهمات.ورغم ذلك، فإن مجرد جلوس واشنطن وطهران إلى الطاولة يشير إلى أن نافذة الفرصة لم تُغلق بعد. لكن نجاح هذه المفاوضات سيعتمد على قدرة الأطراف على تجاوز لغة التصريحات إلى خطوات عملية، وهو ما لم يظهر بعد بشكل واضح.
المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency