تبدو إسرائيل اليوم كدولة أسيرة لدوامة أمنية لا تنتهي، وكأنها لا تستطيع أن تتنفس خارج إطار التوتر الأمني. هذا الواقع ليس مجرد نتيجة لتحديات أمنية حقيقية، بل هو نتاج مشروع سياسي صاغه اليمين الإسرائيلي بقيادة بنيامين نتنياهو، مشروع يقوم على تحويل الأمن إلى أيديولوجيا حاكمة، والخوف إلى بنية تحتية للسلطة، والصراع إلى حالة دائمة لا يُراد لها أن تنتهي، بل أن تُدار وتُستثمر.
اليمين الإسرائيلي قدّم نفسه طوال سنوات بوصفه الوصي الوحيد على الأمن، واستخدم هذا الادعاء لتبرير سياسات توسعية وعسكرية وقمعية. هذا النهج هو صناعة متعمدة لـ”دولة محاربة”، دولة تُبقي المجتمع في حالة استنفار دائم، وتُقنعه بأن الخطر يحيط به من كل جانب، وأن أي بديل سياسي أو تسوية تاريخية هو تهديد وجودي. بهذا المعنى، لا يعود الأمن مجرد حاجة موضوعية، بل يتحول إلى أيديولوجيا كاملة تعيد تشكيل وعي المجتمع الإسرائيلي، بحيث يصبح الخوف جزءًا من الهوية الوطنية، لا مجرد استجابة ظرفية.
في قلب هذا المشروع يقف نتنياهو، الذي روّج لفكرة أن الصراع مع الفلسطينيين ومع الإقليم يمكن “إدارته” بدل حله. هذه الفكرة، التي قُدمت للإسرائيليين كواقعية سياسية ما هو إلا مقامرة طويلة الأمد، هدفها تأجيل الانفجار لا منعه. إدارة الصراع تحولت عمليًا إلى تعميق الصراع، وإلى خلق واقع هشّ انفجر في أكثر من جبهة، من غزة إلى لبنان، ومن الضفة إلى إيران. فبدل أن يكون الأمن بوابة إلى أفق سياسي، صار ذريعة لإغلاق هذا الأفق بالكامل.
في موازاة ذلك لم يكتفِ نتنياهو باستثمار الواقع الأمني، بل ساهم في إنتاجه وتضخيمه كلما احتاج إلى تعزيز مكانته السياسية أو الهروب من أزماته القضائية والشخصية. نمط متكرر بحسبه، كلما اهتزت شرعيته أو تصاعدت الاحتجاجات ضده، برزت أزمة أمنية جديدة، أو تصعيد عسكري، أو “تهديد وجودي” يُعاد تسويقه للجمهور. هذا التكرار لا يبدو صدفة، بل أقرب إلى استراتيجية بقاء: أزمة تُضعف المعارضة، حرب تُسكت الشارع، تهديد خارجي يُعيد الالتفاف حول القيادة، حالة طوارئ تُبرر كل شيء.
بهذا المعنى، يتحول ملف الأمن من واجب حكومي إلى أداة سياسية صرفة. الأمن لا يُدار فقط لحماية المجتمع، بل يُستخدم لترهيبه، ولإقناعه بأن لا بديل عن القيادة الحالية، وأن أي تغيير سياسي في الداخل هو مغامرة قد تفتح الباب أمام الانهيار. خطاب نتنياهو يقوم على تصوير المجتمع الإسرائيلي كضحية دائمة، محاطة بأعداء لا يُحصَون، وتقديم نفسه كدرع وحيد يحول دون الكارثة. هذا الخطاب يصنع مجتمعًا قلقًا، متوترًا، قليل الثقة بالبدائل، وأكثر استعدادًا لقبول سياسات متطرفة، ما دام يُقال له إن البديل هو الفوضى أو الإبادة.
لكن ثمن هذه السياسة لا يُدفع فقط على مستوى الخطاب. إسرائيل نفسها تغرق تدريجيًا في وحل سياسي وأمني عميق: انقسام داخلي حاد، تآكل الثقة بالمؤسسات، اقتصاد يترنح تحت عبء الحروب المتكررة، عزلة دولية متزايدة، وحكومة يمينية تعتمد على مزيد من التطرف للبقاء متماسكة. هذه ليست نتائج حتمية لواقع إقليمي معادٍ فحسب، بل نتائج مباشرة لخيارات سياسية اتخذتها حكومات اليمين، وعلى رأسها نتنياهو، الذي فضّل إدارة الصراع على حله، وتغذية الخوف على تهدئته، وافتعال المواجهات على بناء الاستقرار.
تبدو إسرائيل اليوم عالقة في طريق مسدود صنعته بنفسها. ليست مجرد ضحية للظروف، بل ضحية لمشروع سياسي اختار أن يجعل من الحرب حالة طبيعية، ومن الخوف لغة يومية، ومن الأمن ذريعة دائمة لتعليق الأسئلة الكبرى. اليمين الإسرائيلي بقيادة نتنياهو بنى مشروعًا يعيش على الأزمات ويزدهر في ظلها، لكن الوقائع تكشف أن هذا المشروع لا يقود إلى الأمن، بل إلى دوامة أعمق من عدم الاستقرار، وإلى مستقبل أكثر غموضًا واضطرابًا. دولة تُدار بالخوف لا تنتج أمنًا حقيقيًا، ودولة تُبقي نفسها في حرب دائمة لا تصل إلى سلام، ودولة تُساق من أزمة إلى أخرى لا تجد طريقًا للخروج من المأزق الذي صنعته لنفسها.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency