الخطاب العربي في الكنيست الإسرائيلي ما قبل "بعبع اليمين"

ساهر غزاوي 
نُشر: 18/06/26 22:49

مع اقتراب كل دورة انتخابية للكنيست الإسرائيلية يتجدد الجدل حول الخطاب السياسي العربي وأولوياته، غير أن فهم هذا الخطاب يقتضي العودة إلى جذوره التاريخية منذ نكبة عام 1948 وأول انتخابات للكنيست عام 1949، مرورًا بسنوات الحكم العسكري وحرب 1967، وصولًا إلى صعود حزب الليكود إلى السلطة عام 1977. فخطاب الأحزاب العربية لم يكن ثابتًا، بل تبدلت شعاراته وأدواته تبعًا للمتغيرات السياسية، وإن بقيت بعض الثيمات حاضرة عبر العقود، وفي مقدمتها استحضار "بعبع اليمين" لحشد الأصوات العربية. غير أن هذه المعادلة لم تكن قائمة دائمًا، إذ إن المرحلة السابقة لهيمنة الليكود خضعت لسيطرة الصهيونية العُمّالية التي أسست الدولة ومؤسساتها وقادت المشروع الاستيطاني، ويُقدم هذا التيار اليوم تحت عنوان "اليسار الإسرائيلي". ومع مرور الوقت انتقل جزء من الخطاب العربي من التعامل مع الصهيونية كمنظومة واحدة إلى المفاضلة بين تياراتها، وتقديم "اليسار" باعتباره الخيار الأقل سوءًا في مواجهة اليمين، وهو ما جعل التخويف من اليمين أحد أكثر عناصر الخطاب الانتخابي العربي حضورًا واستمرارية حتى يومنا هذا.
وقبل الخوض في هذه التحولات، تجدر الإشارة إلى أن الكنيست هو البرلمان الإسرائيلي والسلطة التشريعية العليا في الدولة، وأحد أعمدة المشروع الصهيوني الذي قام على احتلال الأرض الفلسطينية وتهجير شعبها وإقامة مؤسساته فوق أنقاضه. ومن داخل هذه المؤسسة تشكلت وتطورت مختلف التيارات والخطابات السياسية العربية منذ عام 1949، بما يجعل دراسة هذه الخطابات مدخلًا لفهم التحولات التي طرأت على علاقة الفلسطينيين في الداخل بالدولة وعلى أدوات عملهم السياسي عبر العقود.
مرحلة ما قبل عام 1967 (عهد الحكم العسكري والمواطنة المشروطة)
قبل عام 1967 لم تكن الضفة الغربية وقطاع غزة تحت الاحتلال الإسرائيلي، إذ خضعت الضفة الغربية للإدارة الأردنية، بينما خضع قطاع غزة للإدارة المصرية. أما الفلسطينيون الذين بقوا داخل حدود الدولة الجديدة، فقد عاشوا تحت نظام الحكم العسكري بين عامي 1948 و1966، وهو نظام فرض قيودًا واسعة على الحركة والتنظيم السياسي والعمل الجماهيري.
وفي هذا السياق السياسي والجغرافي المجزأ، تبلورت داخل الكنيست عدة اتجاهات سياسية عربية، كان أبرزها التيار المرتبط بحزب "مباي" الحاكم، أو ما يمكن تسميته بـ"عرب الائتلاف"، وهو التيار الذي سيركز هذا المقال على خطابه ومواقفه. وفي المقابل برز الحزب الشيوعي كتيار معارض حمل خطابًا مختلفًا في الشكل والأدوات، وإن ظل يتحرك داخل الإطار السياسي الذي تمثله مؤسسة الكنيست، أحد أبرز أعمدة الدولة والمشروع الصهيوني، وسنتناول تجربته في موضع لاحق. وإلى جانب هذين الاتجاهين، شهدت أواخر الخمسينيات ظهور "حركة الأرض" التي تبنت خطابًا قوميًّا عربيًّا متأثرًا بالمد الناصري، ورفضت سياسة الأسرلة، مؤكدة انتماء الفلسطينيين في الداخل إلى شعبهم وقضيتهم الوطنية، الأمر الذي أدى إلى حظرها وملاحقة ناشطيها عام 1964.
تيار الموالاة والاندماج
تمثل هذا التيار في القوائم العربية المرتبطة بحزب "مباي" الحاكم، والتي شكلت ما يمكن وصفه بـ"عرب الائتلاف الحكومي" في تلك المرحلة، ومن أبرزها قوائم "الديمقراطية لمهنيي الناصرة" و"الزراعة والتطوير" و"التقدم والتطوير". وتمحور خطابها حول ما يمكن تسميته بـ"المواطنة المشروطة"، من خلال التركيز على المطالب الخدمية والمعيشية وتحسين الأوضاع اليومية، مقابل تجنب الخوض في القضايا القومية الكبرى وملفات الصراع العربي الإسرائيلي واللاجئين والحكم العسكري.
ويُعد سيف الدين الزعبي أحد أبرز رموز هذا الاتجاه. فقد عكس خطابه البرلماني طبيعة العلاقة التي سعت هذه القوائم إلى تكريسها مع السلطة، حين قال: "إن المجتمع العربي في إسرائيل يتطلع إلى الاندماج الكامل والعيش المشترك. نحن نشكر الحكومة على مد خطوط المياه وفتح المدارس في قرانا، ولكننا نرجو من وزير الزراعة ووزير الداخلية تسهيل منح تراخيص البناء وتوسيع المسطحات القروية ليتسنى لشبابنا العيش بكرامة. إن ولاءنا للدولة يدفعنا للمطالبة بإنصافنا في الميزانيات لنكون جزءًا من حركة التطوير والبناء".
ولم يقتصر هذا النهج على الزعبي. فقد ركز فارس حمدان، أحد أبرز وجوه قائمة "الزراعة والتطوير"، على البعد الاقتصادي والخدماتي بعيدًا عن القضايا السياسية، بقوله: "إن الفلاح العربي لا يطلب سوى العيش بسلام وتطوير أرضه... ونطالب بزيادة حصص المياه المخصصة للقرى العربية وتسهيل تسويق محاصيلنا، فاستقرار المزارع العربي هو الضمان الحقيقي لاستقرار المنطقة".
أما مسعد قسيس، من قائمة "الديمقراطية لمهنيي الناصرة"، فقد عبّر بوضوح عن فلسفة التعاون مع حزب السلطة عندما قال: "إن واجبنا كمواطنين هو إظهار الإخلاص التام لقوانين الدولة... ومن خلال تعاوننا المخلص مع حزب السلطة سنتمكن من تحسين ظروف المعيشة وفتح آفاق جديدة لشبابنا".
وفي السياق ذاته، دعا دياب عبيد إلى ما وصفه بالواقعية السياسية (تذكرون أين سمعتم هذا المصطلح؟)، حتى في ظل الحكم العسكري، قائلاً: "علينا كمواطنين عرب أن نثبت بالدليل القاطع أننا لا نشكل خطرًا على أمن الدولة... فالحصول على الحقوق لا يأتي بالمواجهة والشعارات، بل بالتعاون البناء وإثبات حسن النوايا".
كما سعى إلياس نخلة إلى الفصل بين أوضاع العرب داخل إسرائيل وبين الصراع الدائر في المنطقة، إذ قال عقب حرب 1967: "دورنا هنا داخل إسرائيل هو الحفاظ على الهدوء والسلام الداخلي... إن أمن الدولة مصلحة مشتركة، ورفاهية المواطن العربي جزء من قوة الاقتصاد الإسرائيلي".
ولم يكن هذا الخطاب مجرد مواقف لفظية، بل انعكس أحيانًا في السلوك السياسي داخل الكنيست. ففي عام 1959 سقط اقتراح يهدف إلى تخفيف بعض إجراءات الحكم العسكري المفروضة على العرب الفلسطينيين بسبب تصويت أعضاء كنيست عرب من الائتلاف الحكومي، بينهم جبر معدي ودياب عبيد، إلى جانب حكومة دافيد بن غوريون، رغم أن الاقتراح كان يصب في مصلحة المجتمع العربي الواقع آنذاك تحت الحكم العسكري.
وتكشف هذه النماذج عن السمات الأساسية لخطاب الموالاة في تلك المرحلة، والذي قام على ثلاث ركائز رئيسية: أولها لغة الاستجداء والمناشدة أكثر من لغة الحقوق، من خلال مفردات متكررة مثل "نرجو" و"نأمل" و"نشكر الحكومة". وثانيها الفصل بين المشكلات المعيشية وأسبابها السياسية، عبر التعامل مع قضايا الأرض والسكن والمياه والخدمات باعتبارها مطالب إدارية منفصلة عن سياسات المصادرة والتمييز والحكم العسكري. أما الركيزة الثالثة فتمثلت في أداء دور الوسيط بين السلطة والمجتمع العربي، حيث تحولت بعض هذه القوائم إلى قناة لتمرير مطالب السكان مقابل ضمان الولاء السياسي وحشد الأصوات الانتخابية لصالح حزب "مباي". وبذلك انشغل هذا الخطاب بتحصيل المكاسب الجزئية والخدماتية ضمن السقف الذي رسمته السلطة، أكثر من انشغاله بطرح مطالب سياسية جماعية أو تحدي السياسات التي أنتجت أصلًا مظاهر التهميش والتمييز التي كان يطالب بمعالجتها. 
(يتبع...)
 

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة