تجميد قرار الوزيرة ماي غولان باقتطاع 1.4 مليار شيكل من ميزانيات المجتمع العربي ليس انتصارًا سياسيًا بقدر ما هو كشف فاضح لطريقة تفكير حكومية تتعامل مع حقوق المواطنين العرب كأنها فائض يمكن مصادرته عند أول فرصة. فالمحاولة لم تكن مجرد خطأ إداري، بل كانت خطوة مدروسة لحرمان المجتمع العربي من أدوات التنمية التي يحتاجها بشكل ملحّ، وتحويلها إلى ميزانيات أمنية لا تُنتج أمنًا ولا تُعالج جذور الجريمة.
إن محاولة تحويل ميزانيات التطوير إلى وزارة الأمن الوطني، كما دفع إليه إيتمار بن غفير وماي غولان، يعكس رؤية ترى في العرب ملفًا أمنيًا لا مجتمعًا يستحق الاستثمار. هذه المقاربة ليست فقط عنصرية، بل قصيرة النظر، لأنها تتجاهل حقيقة واضحة: لا يمكن مكافحة الجريمة دون تنمية، ولا يمكن خلق مجتمع آمن دون خلق فرص، ولا يمكن بناء مستقبل دون بناء بنية تحتية اقتصادية واجتماعية حقيقية.
فالمجتمع العربي لا يحتاج مزيدًا من الدوريات الشرطية بقدر ما يحتاج مدارس حديثة، مراكز شباب، ملاعب، مناطق صناعية، برامج تشغيل، دعمًا للسلطات المحلية، وتمويلًا لمبادرات اجتماعية وثقافية. هذه هي الأدوات التي تُنتج أمنًا مستدامًا، لا الخطابات التحريضية ولا تحويل الميزانيات إلى أجهزة أمنية أثبتت فشلها في مواجهة الجريمة المنظمة.
إن الوزيرة ماي غولان، التي يفترض أن وزارتها مسؤولة عن المساواة الاجتماعية، تتنصل من مسؤولياتها المهنية وتتعامل مع منصبها كمنصة سياسية لا كجهاز حكومي يُفترض أن يعمل على تقليص الفجوات. فبدل أن تقود خططًا لدمج المجتمع العربي في سوق العمل، أو تطوير مشاريع إسكان، أو دعم المبادرات الشبابية، أو تعزيز مشاركة النساء العربيات في الاقتصاد، نجدها تدفع باتجاه مصادرة الميزانيات وتحويلها إلى مسارات لا علاقة لها بالتنمية.
هذه المصادرة لو تمت، كانت ستنعكس بشكل كارثي على المجتمع العربي. فغياب الاستثمار في البنى التحتية يعني استمرار الاكتظاظ، ضعف الخدمات، وتراجع جودة الحياة. وغياب الاستثمار في التعليم يعني استمرار الفجوات، وغياب الاستثمار في التشغيل يعني استمرار البطالة والفقر، وهما المحركان الأساسيان للجريمة. أما غياب الاستثمار في الفعاليات الاجتماعية والثقافية والرياضية، فهو يعني ترك الشباب فريسة للفراغ، وهو الفراغ الذي تستغله العصابات.
إن قرار 550 لم يكن مجرد خطة حكومية، بل كان اعترافًا رسميًا بأن الدولة قصّرت لعقود تجاه المجتمع العربي، وأن عليها التزامًا بتصحيح هذا المسار. لكن ما دامت الوزارات تتباطأ في تنفيذ المشاريع، وما دامت الميزانيات تُترك دون استغلال، فإن الخطر سيبقى قائمًا. وهذا ما حذّر منه رئيس بلدية ام الفحم، الدكتور سمير محاميد، حين دعا إلى الإسراع في تقديم المشاريع قبل أن تُستغل الثغرات لإعادة طرح فكرة اقتطاع الميزانيات.
مؤسسات المجتمع المدني لا تستطيع وحدها مواجهة ماكينة حكومية تتعامل مع الميزانيات كأوراق سياسية. المطلوب اليوم يقظة جماعية، وضغط مستمر، ومحاسبة حقيقية لكل جهة تحاول الالتفاف على حقوق المجتمع العربي.
فالميزانيات ليست مجرد أرقام، بل هي مستقبل. هي مدارس جديدة، شوارع آمنة، فرص عمل، مراكز شباب، مشاريع إسكان، دعم للنساء، تطوير للسلطات المحلية، وتمكين اقتصادي. هي أدوات لمحاربة الجريمة من جذورها، لا عبر القمع بل عبر بناء مجتمع قوي، متماسك، ومندمج.
وما دامت الحكومة تتعامل مع هذه الحقوق كأنها ملكية خاصة للوزراء والأحزاب يمكن تحويلها من بند إلى آخر، فإن المعركة لن تنتهي. التجميد خطوة مهمة، لكنها ليست ضمانة. الضمانة الوحيدة هي استمرار النضال، واستمرار كشف كل محاولة لسرقة مستقبل مجتمع كامل تحت أي ذريعة، وخاصة عندما تكون الدوافع عنصرية.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency