نتنياهو بين واشنطن وضرورات البقاء السياسي

محمد دراوشة
نُشر: 10/06/26 12:46

تشهد العلاقة بين واشنطن ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو واحدة من أكثر مراحلها توتراً في السنوات الأخيرة، توتراً خرج من نطاق التسريبات الدبلوماسية إلى العلن، مع تداول تقارير عن مكالمة حادة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونتنياهو، استخدم فيها ترامب لغة غير مألوفة في مخاطبة حليف مقرّب. هذا التحول لا يمكن قراءته كحادثة منفصلة، بل كجزء من إعادة تشكيل أوسع للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، في لحظة تتقاطع فيها الحسابات الإقليمية مع اعتبارات سياسية داخلية لكل من ترامب ونائبه جي دي فانس.

الولايات المتحدة، التي تسعى اليوم إلى تجنّب أي حرب إقليمية واسعة، تجد نفسها أمام واقع جديد: إسرائيل بقيادة نتنياهو تتحرك بمنطق مختلف تماماً. فبينما تريد واشنطن تهدئة محسوبة مع إيران ولبنان، تفضّل حكومة نتنياهو إبقاء الجبهات مفتوحة، سواء لأسباب تتعلق برؤيته الأمنية أو لحسابات داخلية مرتبطة ببقائه السياسي. هذا التناقض بين منطق التهدئة الأمريكي ومنطق التصعيد الإسرائيلي هو ما يفسّر حدّة التوتر الأخيرة، ويجعل نتنياهو يبدو — من وجهة النظر الأمريكية — شريكاً صعباً، وربما عبئاً تكتيكياً في هذه المرحلة.

ورغم ذلك، لا تزال واشنطن ترى إسرائيل شريكاً استراتيجياً لا يمكن الاستغناء عنه. الدعم العسكري والسياسي لم يتغيّر، لكن طريقة إدارة العلاقة مع نتنياهو تغيّرت. فالإدارة الأمريكية لم تعد مستعدة لمنحه هامش المناورة الواسع الذي اعتاد عليه، خصوصاً عندما تتعارض خطواته مع أولوياتها الكبرى: منع انفجار إقليمي، الحفاظ على استقرار أسواق الطاقة، وتوجيه الجهد الاستراتيجي نحو الصين. في المقابل، يجد نتنياهو نفسه مضطراً إلى المناورة بين حاجته إلى إظهار استقلالية أمام جمهوره الداخلي، وبين إدراكه أن أي صدام مباشر مع واشنطن قد يكلّفه ثمناً سياسياً باهظاً.

في قلب هذا المشهد، يبرز دور نائب الرئيس جي دي فانس، الذي يسعى إلى رسم صورة سياسية مستقلة داخل الحزب الجمهوري. فانس، الذي يُنظر إليه كوجه صاعد وربما كمرشح رئاسي مستقبلي، يدرك أن الارتباط الوثيق بشخصية مثيرة للجدل مثل نتنياهو قد يضرّ بصورته، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات النصفية التي تعتمد على أصوات المستقلين والناخبين المترددين. لذلك، يتحرك فانس بحذر، محاولاً خلق مسافة محسوبة بينه وبين نتنياهو، دون المساس بالدعم التقليدي لإسرائيل كحليف استراتيجي.

هذه المسافة ليست مجرد خطوة تكتيكية، بل جزء من رؤية أوسع يسعى فانس من خلالها إلى التأكيد أن السياسة الأمريكية تُصاغ في واشنطن، لا في تل أبيب. فانس يعارض الانجرار إلى حرب واسعة مع إيران أو لبنان، ويرى أن نتنياهو قد يستخدم التصعيد كأداة سياسية داخلية. ومن هنا، يصبح ضبط إيقاع العلاقة مع نتنياهو ضرورة سياسية داخلية بقدر ما هي ضرورة استراتيجية خارجية. هذا التوجه ينعكس في خطاب أمريكي أكثر بروداً، وفي رسائل واضحة بأن الدعم لإسرائيل لا يعني تبنّي أجندة نتنياهو أو تغطية خطواته غير المحسوبة.

ومع أن التوتر الحالي يبدو حاداً، إلا أنه لا يشير إلى تغيير جذري في جوهر العلاقة بين البلدين. فالمصالح الاستراتيجية ثابتة، لكن الأدوات تتغير. واشنطن تريد شريكاً منضبطاً، بينما يتحرك نتنياهو بمنطق البقاء السياسي، وهو ما يجعل العلاقة بين الطرفين علاقة شدّ وجذب مستمر. نتنياهو، الذي اعتاد على هامش مناورة واسع في واشنطن، يواجه اليوم إدارة أكثر صراحة في انتقاده، وأكثر استعداداً لوضع حدود واضحة أمام خطواته.

يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع نتنياهو التكيّف مع هذه المرحلة الجديدة، أم سيواصل نهجه التصعيدي الذي قد يضعه في مواجهة مباشرة مع أقرب حلفائه؟ الإجابة ليست واضحة بعد، لكن المؤكد أن واشنطن لم تعد تتعامل مع نتنياهو بالطريقة التي اعتادها، وأن الحسابات الداخلية في الولايات المتحدة — من الانتخابات النصفية إلى مستقبل جي دي فانس السياسي — أصبحت جزءاً أساسياً من معادلة العلاقة مع إسرائيل. وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبدو أن العلاقة بين الطرفين تدخل مرحلة جديدة، عنوانها الرئيسي: دعم استراتيجي ثابت، لكن مع رقابة أمريكية أشد على خطوات نتنياهو.

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة