طوبى للمتوحدين

رانية مرجية
نُشر: 07/06/26 08:51


طوبى للمتوحدين
رانية مرجية
طوبى للمتوحدين،

الذين يمرّون في العالم
كما يمرّ الضوء على صفحة ماء،
دون أن يتركوا ضجيجًا،
ودون أن يحتفظ بهم أحد.

لا مقاعدَ تنتظرهم في الصفوف الأولى،
ولا تُرفع صورهم فوق الجدران،
ولا تتسابق الألسنة إلى ذكر أسمائهم.

لكنّ السماء،
كلما عبروا،
أبطأت نبضها قليلًا
لتراهم.

طوبى لهم،

يجلسون إلى موائد الفقر
بوقار الملوك،

ويكسرون الخبز اليابس
كما لو أنهم يتناولون بركةً نازلةً من الغيم.

لا يطلبون الكثير،
ولا يعدون بالكثير.

فالنهر لا يعد بالعطاء،
لكنه يروي.

والشجرة لا تتحدث عن الثمر،
لكن الأغصان تعرف.

طوبى للذين

إذا دخلوا مكانًا
تركوا فيه فسحةً للآخرين،

وإذا غابوا
شعر الضوء بأن زاويةً منه
قد انطفأت.

لا يُكتب عنهم خبر،
ولا تتبعهم الأعين،

لكن الأرض تحفظ وقع خطواتهم
كما تحفظ الأمُّ صوت طفلها
بعد سنين من الرحيل.

طوبى لمن

ينفض كل صباح
غبار الليل عن قلبه،

ويغسل روحه
من صدأ المرارات الصغيرة.

لمن يمنع الحقد
من أن يستأجر غرفةً في صدره،

ويترك للنوافذ
أن تبقى مفتوحةً للريح
وللسماء.

طوبى لمن

يمشي في الزحام
دون أن يطعن أحدًا بمرفق روحه،

ويحمل غربته
كما يحمل القديس شمعةً
في ممرٍّ طويلٍ من الريح.

طوبى للمتوحدين،

الذين لا يصلّون ليُسمَعوا،

ولا يبكون ليُشفَق عليهم،

ولا يفعلون الخير
ليتركوا أثرًا خلفهم.

أولئك الذين يهمسون لله
كما يهمس الطفل النائم لأمّه،

فيصعد همسهم
حيث لا تصل الخطب،
ولا الأجراس،
ولا أصوات المنتصرين.

طوبى لمن

أطفأ الحريق في قلبه
قبل أن يمتدّ إلى غيره.

لمن كسر سكين الغضب
وأشعل من معدنها شمعة.

لمن اختار الصفح
في اللحظة التي كان الانتقام فيها
أكثر إغراءً،

واختار الرحمة
حين بدت القسوة
أقرب الطرق.

طوبى للذين

لا يسكنون المذياع،
ولا تسبقهم الضوضاء.

الذين إذا جلستَ معهم
شعرتَ أن العالم
ليس متعبًا كما ظننته،

وأن شيئًا من صفائه الأول
ما زال حيًّا
تحت هذا الركام.

طوبى للمتوحدين،

الذين لا يتكئون إلا على الله،

كأنهم تعلّموا سرًّا قديمًا
نسيه الجميع.

لا ينتظرون تصفيقًا،
ولا مكافأة،
ولا اعترافًا متأخرًا.

ومع ذلك،
تمتلئ قلوبهم
بما لا تتسع له الممالك.

طوبى لهم،

فأسماؤهم لا تُنقش على الرخام،
ولا تُحفظ في أرشيف الأيام.

لكنها تُقال هناك،
في الجهة التي تأتي منها النجوم.

طوبى لهم،

حين تخفت أصوات الأرض كلها،

سيُعرفون

كما تُعرف الشموع
بعد انطفاء الحريق.

وكما يُعرف النور
حين يُنسى كلُّ ما عداه.

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة