عقوق الوالدين بين حقوق الآباء وواجبات الأبناء

الدكتور صالح نجيدات
نُشر: 06/06/26 23:45

عقوق الوالدين بين حقوق الآباء وواجبات الأبناء
تُعد برُّ الوالدين من أعظم القربات إلى الله تعالى، وقد قرن الله سبحانه حقهما بحقه في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، لما لهما من فضل عظيم في تربية الأبناء ورعايتهم. وفي المقابل فإن الإسلام لم يجعل الحقوق من طرف واحد، بل أوجب على الآباء حقوقا تجاه أبنائهم كما أوجب على الأبناء برَّ آبائهم والإحسان إليهم.
وتُروى قصة مشهورة عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلا جاء يشكو إليه عقوق ابنه، فاستدعى عمر الابن وسأله عن سبب إساءته إلى أبيه. فقال الابن: يا أمير المؤمنين، أليس للولد حق على أبيه؟ فقال عمر: بلى. فقال: وما حقي على أبي؟ فقال عمر: أن يحسن اختيار أمه، وأن يسميه اسما حسنا، وأن يعلمه القرآن. فأخبر الابن أن أباه قصَّر في هذه الحقوق كلها، فالتفت عمر إلى الأب وقال: "لقد سبقت ولدك إلى العقوق".
وعلى الرغم من عدم ثبوت هذه القصة من جهة الإسناد، إلا أنها تحمل معنى مهما، وهو أن التربية مسؤولية عظيمة، وأن الأبناء ثمرة غرس آبائهم وأمهاتهم. فمن أحسن الغرس والتربية، غالبا ما يجني ثمار البر والإحسان، ومن أهمل وقصّر فلا ينبغي أن يستغرب آثار ذلك التقصير.
إن الإقبال على الزواج يستوجب حسن الاختيار؛ فصلاح الأسرة يبدأ من اختيار الزوج والزوجة الصالحين. وإذا رزق الله الزوجين بالأبناء، وجب عليهما أن يحسنا تربيتهم، وأن يزرعا في نفوسهم الإيمان والأخلاق والقيم النبيلة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»، فالمسؤولية لا تقتصر على توفير الطعام والشراب، بل تشمل التربية والتوجيه والمتابعة والقدوة الحسنة.
ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض الآباء ترك الأبناء  واهمالهم  في صغرهم دون رقابة، أو منحهم الحرية المطلقة في كبرهم دون توجيه ومحاسبة. ثم إذا كبر الأبناء واشتد عودهم، طالبهم الآباء بالبر والطاعة، مع أن التربية السليمة تحتاج إلى حضور دائم، وحكمة، واحتواء، وعدل بين الأبناء.
ومع ذلك، فإن تقصير الوالدين لا يبرر عقوقهما أبدا . فالأبناء مأمورون شرعا ببر والديهم والإحسان إليهما، حتى لو وجدا منهما بعض التقصير أو الجفاء. وقد أمر الله تعالى بالإحسان إلى الوالدين ولو كانا غير مسلمين، فقال سبحانه: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾. فكيف إذا كان الوالدان مسلمان يشهدان أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؟
لذلك ينبغي للأبناء أن يقابلوا الإساءة بالعفو، والتقصير بالصبر، والجفاء بالإحسان، ابتغاء مرضاة الله تعالى. فهذا من مكارم الأخلاق التي ينال بها المسلم الأجر العظيم في الدنيا والآخرة، ويرتقي بها إلى أعلى درجات البر والإحسان.
رسالة إلى الآباء
الأبناء نعمة من نعم الله، وهم أيضا أمانة ومسؤولية عظيمة. فاتقوا الله فيهم، وأحسنوا تربيتهم، ووجهوهم إلى طريق الخير والصلاح، وازرعوا في قلوبهم الثقة والمحبة، واحتووا مشكلاتهم وهمومهم. كونوا لهم قدوة حسنة في الأقوال والأفعال، ليكونوا لكم سندا في الدنيا وسببا للفوز في الآخرة.
واعلموا أن الظلم والإهمال والتفريق بين الأبناء قد يترك آثارا مؤلمة تستمر سنوات طويلة، وأن العدل والرحمة والحكمة هي أساس الأسرة المستقرة.
رسالة إلى الأبناء
مهما وجدتم من تقصير من والديكم، فلا تنسوا فضلهما عليكم، ولا تقابلوا الخطأ بالخطأ. اصبروا واحتسبوا الأجر عند الله، وأحسنوا إليهما ما استطعتم، فإن بر الوالدين من أعظم أسباب التوفيق والبركة وتيسير الأمور في الدنيا والآخرة.
إن الحياة مليئة بالدروس والعبر، والمؤمن الحق هو الذي يسمو بأخلاقه فوق الجراح والخصومات، فيحفظ حق والديه، ويؤدي ما عليه من واجبات، طمعًا في رضا الله تعالى وجنته.
نسأل الله أن يصلح الآباء والأبناء، وأن يؤلف بين القلوب، وأن يجعل بيوتنا عامرة بالمودة والرحمة والبر والإحسان.
الدكتور صالح نجيدات

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة