تكشف نتائج استطلاع القناة 12 الإسرائيلية الأخيرة عن تحولات لافتة في المزاج السياسي الإسرائيلي، وتحديدًا في موقع الأحزاب الجديدة أو تلك التي أعادت تشكيل نفسها. فالقائمة المشتركة بين نفتالي بينيت ويائير لابيد، التي تحمل اسم “بياحد”، تتراجع إلى 21 مقعدًا، أي بانخفاض سبعة مقاعد خلال ستة أسابيع فقط، بينما ترتفع قائمة غادي أيزنكوت “يشَار!” إلى 19 مقعدًا، بزيادة خمسة مقاعد. هذه الأرقام، رغم أنها ليست نتائج انتخابية، تفرض قراءة معمقة لأربعة مسارات أساسية، إضافة إلى اعتراف بخطأ تقديري في فهم ديناميات الساحة.
أولًا: خطأ التحالف بين بينيت ولابيد
منذ الإعلان عن تحالف “بياحد”، كان واضحًا أن الخطوة تنطوي على مخاطرة استراتيجية. جمهور اليمين الذي كان مستعدًا للتفكير بالانتقال نحو بينيت لن يصوّت للابيد، وجمهور اليسار المعتدل لن يندفع لدعم قائمة تضم شخصيات يمينية واضحة. النتيجة جاءت مطابقة لهذا التوقع: التحالف لم يوسع القاعدة، بل قلّصها.
هذا التراجع لا يطرح فقط تساؤلات حول قدرة بينيت ولابيد على قراءة الخريطة السياسية، بل يعيد التأكيد على قاعدة متكررة في السياسة الإسرائيلية: أحيانًا يكون مجموع الأجزاء منفصلة أكبر من الكل المندمج، وأن الدمج القسري بين تيارات غير منسجمة قد يؤدي إلى نفور متبادل بدلًا من توسيع دائرة الدعم.
ثانيًا: اختلاف الأهداف بين الشريكين
التحالف بين بينيت ولابيد لم يكن قائمًا على رؤية مشتركة، بل على مصالح متباينة. بينيت أراد قائمة كبيرة تقوده إلى رئاسة الحكومة من موقع قوة، وليس من موقع ابتزاز سياسي كحزب صغير كما حدث عام 2021. أما لابيد فكان هدفه الأساسي النجاة من خطر الهبوط تحت نسبة الحسم والحفاظ على أكبر عدد ممكن من أعضاء كتلته الحالية.
لكن على ما يبدو فإن الجمهور الإسرائيلي، الذي بات أكثر حساسية تجاه التحالفات التكتيكية، قرأ هذا الارتباط باعتباره خطوة أقرب إلى مناورة سياسية قصيرة المدى. وهكذا، بدلاً من أن يكسب الطرفان، خسر كلاهما.
ثالثًا: أيزنكوت… التوقيت المناسب
على المستوى الشخصي، يبدو أن غادي أيزنكوت اتخذ القرار الصحيح حين اختار عدم الانضمام لتحالف بينيت–لابيد في حينه. فاليوم، يتقدم أيزنكوت على بينيت في ملاءمته لرئاسة الحكومة وفق الاستطلاع ذاته.
كان الاعتقاد السائد قبل شهرين أن دخول أيزنكوت في تحالف يقوده لابيد وغولان سيخلق “انفجارًا سياسيًا” أكبر، وربما كان ذلك صحيحًا من حيث الإمكانات. لكن الواقع الحالي يثبت أن خوضه الانتخابات منفردًا لم يكن خطأ كما ظن البعض، بل خطوة محسوبة عززت مكانته.
رابعًا: غياب الرؤية الواضحة في “يشَار!”
رغم صعود أيزنكوت، إلا أن حزبه الجديد لا يقدم حتى الآن أي رؤية سياسية واضحة. برنامجه الانتخابي يكرر عبارات عامة حول تعزيز الجيش، وتحصين الحدود، وتوسيع دائرة السلام، والحفاظ على أغلبية يهودية، وهي شعارات يمكن لأي حزب إسرائيلي تبنيها دون تردد.
أما قائمة المرشحين — كوهانا، كوهين، بلليوس، غيتي، ميريدور، وفرقش كوهين — فهي تضم شخصيات ذات خبرة، لكنها بلا سجل أيديولوجي واضح. هذا الغموض قد يكون مقبولًا لدى جمهور ليبرالي يبحث عن “الاستقرار”، لكنه لا يكفي لبناء موجة سياسية حقيقية تجرف خلفها الجماهير.
في ميزان الكتل، لا جديد تحت الشمس. الاستطلاعات المختلفة — قناة 11، قناة 12، وموقع “زمان يسرائيل” — تتفق على أن ميزان القوى بين الكتل لا يشهد اختراقًا حقيقيًا. كتلة اليمين–المستوطنين–الحريديم تتراوح بين 50 و53 مقعدًا، بينما كتلة الوسط–اليسار بين 57 و59، والقوائم العربية بين 8 و10، مع إمكانية وصولها إلى 15 مقعدًا إذا توحدت، وهو ما يفضله غالبية الناخبين العرب.
هذا الجمود يعيدنا إلى سيناريوهات معروفة في السياسة الإسرائيلية، دون الخوض في أي توقعات انتخابية مستقبلية، انسجامًا مع المعايير المهنية.
أما الصوت العربي فيمكن النظر اليه ككتلة كامنة غير مستغلة بالكامل. الفارق بين الترشح الموحد والمتفرق يصل إلى سبعة مقاعد، ما يجعل الصوت العربي عاملًا حاسمًا في رسم ملامح الكتل.
الانقسام بين الأحزاب العربية يؤدي إلى تشتت الأصوات وضياع عشرات آلاف الأصوات تحت نسبة الحسم. هذا التشتت لا يضعف فقط التمثيل العربي، بل يؤثر مباشرة على ميزان القوى بين الكتل.
المشاركة تتأثر بعوامل عدة: الثقة بالمؤسسات، وحدة القوائم، الخطاب السياسي الإسرائيلي، والأداء البرلماني للأحزاب العربية. كل ارتفاع أو انخفاض في المشاركة ينعكس فورًا على الخريطة الحزبية.
الصوت العربي ليس كتلة واحدة: فالمدن المختلطة تميل للأحزاب اليهودية الليبرالية. في حين تميل القرى العربية التقليدية للأحزاب القومية واليسارية. أما الجنوب البدوي فيشهد تنافسًا بين الموحدة والجبهة. والشباب يميلون للخطاب المدني–الحقوقي.
احزابنا العربية تتقوقع في اتجاهات مختلفة، ما يجعل الاتفاق على قائمة واحدة أمرًا معقدًا، لكنه ممكن إذا توفرت الإرادة السياسية. الصوت العربي ليس مجرد عدد مقاعد، بل معادلة سياسية تؤثر في كل سيناريو محتمل، من حيث منع تشريعات تمسّ الحقوق المدنية، أو تعزيز الميزانيات، أو التأثير على شكل الائتلافات.
إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فإن السؤال المطروح ليس من سيفوز، بل كيف ستعيد الأحزاب — اليهودية والعربية — تعريف نفسها في الأسابيع المقبلة. أما الصوت العربي، فسيبقى العامل الأكثر قدرة على تغيير قواعد اللعبة إذا ما توحدت قوائمه وارتفعت نسبة المشاركة.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency